سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥ - الرابع في الكلام على سبحان اللّه
عشرة آية من بني إسرائيل». و ذكر عصيانهم و فسادهم و تخريب مسجدهم، ثم ذكر استفزازهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و إرادتهم إخراجه من المدينة و سؤالهم إياه عن الروح. ثم ختم السورة بآيات موسى التسع، و خطابه مع فرعون. و أخبر أن فرعون أراد أن يستفزهم من الأرض فأهلك. و أرّث بني إسرائيل الأرض من بعدهم. و في ذلك تعريض بهم أنهم كما استفزوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من المدينة، فسيخرجون منها و يرثها هو و أصحابه كنظير ما وقع لهم مع فرعون لما استفزهم. و قد وقع ذلك أيضا. و لما كانت السورة مصدّرة بتخريب المسجد الأقصى افتتحت بذكر إسراء سيدنا محمد المصطفى إليه، تشريفا لحلول ركابه الشريف و جبرا لما وقع من تخريبه. انتهى.
الثالث: في حكمة استفتاحها بالتسبيح:
ابن الجوزي في زاد المسير: الحكمة في الإتيان به هنا وجهان: أحدهما: أن العرب تسبّح عند الأمر العجيب، فكأن اللّه تعالى عجّب خلقه بما أسدى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الإسراء به.
الثاني: أن يكون خرج مخرج الرد عليهم، لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما حدّثهم عن الإسراء به كذّبوه، فيكون المعنى تنزّه اللّه تعالى أن يتّخذ رسولا كذّابا.
القاضي تاج الدين السبكي في تذكرته سأل الإمام: ما الحكمة في افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح و الكهف بالتحميد؟ و أجاب بأن التسبيح حيث جاء قدّم على التحميد نحو:
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [النصر ٣] سبحان اللّه و الحمد للّه.
و أجاب ابن الزّملكاني- بفتح الزاي و اللام-: [أن] سورة سبحان لما اشتملت على الإسراء و كذّب المشركون به النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، و تكذيبه تكذيب للّه تعالى، أتي «بسبحان» لتنزيه اللّه عزّ و جل عما ينسب إليه من الكذب، و سورة الكهف لما نزلت بعد سؤال المشركين عن قصة أصحاب الكهف و تأخير الوحي نزلت مبيّنة أن اللّه تعالى لم يقطع نعمته على نبيّه و لا على المؤمنين، بل أتم عليهم النعمة بإنزال الكتاب، فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة.
الرابع: في الكلام على سبحان اللّه:
محمود الكرماني في «برهانه»: «كلمة استأثر اللّه تعالى بها، فبدأ بالمصدر في بني إسرائيل ثم بالماضي في الصّفّ و الحشر لأنه أسبق، ثم بالمضارع في الجمعة و التغابن، ثم بالأمر في الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها»، انتهى.
و قوله: «فبدأ بالمصدر» أي بالاسم الموضوع موضع المصدر.