سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٩ - تنبيهات
للطائعين و شفيعا للعاصين، أو شهيدا لمن مات في حياته، شفيعا لمن مات بعده، أو غير ذلك مما اللّه أعلم به، و هذه خصوصية زائدة على الشفاعة لكافة المذنبين، و على الشهادة لكافة الأمة،
و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلم) في شهداء أحد: «أنا شهيد على هؤلاء»،
فيكون في تخصيصهم زيادة منزلة، و قد تكون «أو» بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة شهيدا و شفيعا بالشفاعة العامة. و إن جعلنا «أو» للشك كما ذهب إليه بعضهم، فإن كانت اللفظة الصحيحة فلا إشكال، إذ هي زائدة على الشفاعة المدّخرة، و إن كانت الصحيحة شفيعا فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء في عمومها و ادخاره لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار و إخراج بعضهم منها بشفاعته (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم القيامة، و تكون هذه الشفاعة لأهل المدينة زيادة في الدرجات أو تخفيف الحساب بما شاء اللّه من إكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة.
الثاني: قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «تنفي الناس»، و في لفظ «الرجال»، قال القاضي: «كان هذا يختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة و المقام معه بها إلا من ثبت إيمانه». و قال النووي: «ليس هذا بظاهر لأن عند مسلم لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد، و هذا و اللّه أعلم زمن الدّجّال». قال الحافظ: «و يحتمل أن يكون المراد كلّا من الزمانين، و كان الأمر في حياته (صلّى اللّه عليه و سلم) السبب المذكور، و يؤيّده قصّة الأعرابي الذي استقاله فإنه (صلّى اللّه عليه و سلم) ذكر هذا الحديث معلّلا به خروج الأعرابي و سؤاله الإقالة من البيعة، ثم يكون ذلك أيضا آخر الزمان، عند ما ينزل الدّجّال فترجف الأرض بأهلها فلا يبقى منافق و لا كافر إلا خرج إليه».
و قال السيد: «و قد أبعد اللّه عنها أرباب الخبث الكامل و هم الكفّار، و أما غيرهم فقد يكون إبعاده إن مات بها بنقل الملائكة له كما أشار إليه الأقشهري أو المراد إبعاد أهل الخبث الكامل فقط و هم أهل الشقاء و الكفر لا أهل السعادة و الإسلام لأن القسم الأول ليس قابلا للشفاعة و لا للمغفرة، أو المراد فيما عدا قصّة الأعرابي و الدّجّال أنها تخلّص النفوس من شرّها و ظلمات ذنوبها، بما فيها من اللأواء و المشقات و مضاعفة المثوبات و توالي الرحمات، و قد قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود ١١٤]، و يحتمل أن يكون بمعنى أنه لا يخفى حال من انطوى فيها على خبث بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها، و لم أر إلى الآن من نصّ على هذا الاحتمال و هو في حفظي قديما و يؤيده ما في غزوة أحد في الصحيح من أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما خرج إلى أحد رجع ناس من أصحابه أي و هم المنافقون
فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «المدينة كالكير»
(الحديث)، و الذي ظهر لي من مجموع الأحاديث و استقراء أحوال هذه البلدة الشريفة أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة».