سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٠ - الباب الثامن في سياق القصة
كآذان الفيلة، تكاد الورقة تغطّي هذه الأمة، و في رواية: الورقة منها مغطّية للأمة كلها. و في لفظ عند الطبراني: الورقة منها تظل الخلق، على كل ورقة ملك، تغشاها ألوان لا يدرى ما هي، فلما غشيها من أمر اللّه تعالى ما غشيها تغيّرت، و في رواية: تحوّلت ياقوتا و زبر جدا فما يستطيع أحد أن ينعتها من حسنها، فيها فراش من ذهب، و في رواية يلوذ بها جراد من ذهب.
فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد من أمتك خلا [١] على سبيلك، و إذا في أصلها أربعة أنهار: نهروان باطنان و نهران ظاهران، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، و أما الظاهران فالنيل و الفرات. و في رواية: فإذا في أصلها عين تجري يقال لها السلسبيل، ينشقّ منها نهران: أحدهما الكوثر، يطّرد عجاحا مثل السّهم، عليه خيام اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد، و عليه طيور خضر أنعم طير، رأى فيه آنية الذهب و الفضة، تجري على رضراض من الياقوت و الزمرد، ماؤه أشد بياضا من اللبن، فأخذ من آنية، فاغترف من ذلك الماء، فشرب فإذا هو أحلى من العسل، و أشدّ ريحا من المسك، فقاله جبريل: هذا هو النهر الذي حباك به ربّك، و النهر الآخر نهر الرحمة فاغتسل فيه، فغفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخّر.
و في حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه: أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) رأى جبريل عند السدرة له ستمائة جناح، جناح منها قد سدّ الأفق، تتناثر من أجنحته التهاويل: الدرّ و الياقوت مما لا يعلمه إلا اللّه تعالى. انتهى. ثم أخذ على الكوثر حتى إذ دخل الجنة فإذا فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر،
فرأى على بابها مكتوبا: الصّدقة بعشر أمثالها، و القرض بثمانية عشر. فقال: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل و عنده، و المستقرض لا يسأل إلا من حاجة. فاستقبلته جارية فقال: لمن أنت يا جارية؟ فقالت: لزيد بن حارثة.
و رأى الجنّة من درّة بيضاء و إذا فيها جنابذ [٢] اللؤلؤ. فقال: يا جبريل، إنهم يسألوني عن الجنة. فقال: أخبرهم أنها قيعان ترابها المسك، و سمع في خارجها و جسا [٣]، فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: بلال المؤذن. فسار فإذا هو بأنهار من لبن لم يتغير طعمه، و أنهار من خمر لذة للشاربين، و أنهار من عسل مصفّى، و إذا رمّانها كالدّلاء،
و في رواية: و إذا فيها رمّان كأنه جلود الإبل المقتّبة، و إذا بطيرها كالبخاتي [٤].
فقال أبو بكر: يا رسول اللّه إن تلك الطير لناعمة. قال:
[١] خلا عليه: اعتمد عليه. انظر المعجم الوسيط ١/ ٢٥٣.
[٢] جنبذ في صفة الجنة «فيها جنابذ من لؤلؤ» الجنابذ جمع جنبذة: و هي القبّة» انظر النهاية لابن الأثير ١/ ٣٠٥.
[٣] الوجس: الصوت الخفي، و توجّس بالشيء: أحسّ به فتسمّع له، انظر النهاية لابن الأثير ٥/ ١٥٦. و المعجم الوسيط ٢/ ١٠٢٥.
[٤] البختية: الأنثى من الجمال البخت، و الذكر بختي، و هي جمال طوال الأعناق، و تجمع على بخت و بخاتيّ، و اللفظة معربة. انظر النهاية لابن الأثير ١/ ١٠١.