سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤ - الثاني في وجه اتصال هذه السورة بما قبلها
الباب الأول في بعض فوائد قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء ١].
الكلام على هذه الآية من وجوه:
الأول: في سبب نزولها:
قال الإمام العالم العلّامة أبو حيّان أثير الدين محمد بن يوسف الغرناطي- بفتح الغين المعجمة و سكون الراء و بالطاء المهملة- في تفسيره المسمى بالنهر: «سبب نزولها أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما ذكر الإسراء به كذّبوه، فأنزلها اللّه تعالى».
الثاني: في وجه اتصال هذه السورة بما قبلها:
قال الإمام فخر الدين الرازي، و البرهان النسفي: «وجه الاتصال بما قبلها أن في تلك السورة ذكر الخليل (صلّى اللّه عليه و سلم) و ذكر أوصافه الشريفة، و تشريعاته العليّة من الحضرة الأزلية، و الأمر باتباع ملّة الحنيفية، و الاقتداء به في العقائد الدينية، و في هذه السورة ذكر من اتّبع ملّته بالصدق، و أقام سنّته على الحق، و في آخر تلك السورة أمر نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلم): ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل ١٢٥]. و أمره بعد ذلك بالصّبر فقال: وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل ١٢٧] و الصّبر هو التحمل للمكاره، و التّحمل من جملة ما يؤدّي إلى التّجمل، و منه ما ذكر في أول هذه السورة.
النّهر: لما أمره اللّه تعالى بالصبر، و نهاه عن الحزن عليهم، و أن يضيق صدره من مكرهم، و كان من مكرهم نسبته إلى الكذب و السّخر و الشّعر و غير ذلك مما رموه به، فأعقب اللّه تعالى ذلك بشرفه و فضله و احتفائه به و علو منزلته عنده.
الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في مناسباته: «هذه السورة و الأربعة بعدها من قديم ما نزل، روى الشيخان عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه قال في سورة بني إسرائيل و الكهف و مريم و طه و الأنبياء: هنّ من العتاق الأول و هنّ من تلادي».
التّلاد- بكسر المثنّاة الفوقية و تخفيف اللام أي مما حفظ قديما، و هذا وجه في ترتيبها، و هو اشتراكها في قدم النزول و كونها مكيّات، و كلها مشتملة على القصص.
و ظهر لي في وجه اتصالها بسورة النحل أنه سبحانه و تعالى لما قال في آخرها: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ [النحل ١٢٤]. فسّر في هذه السورة شريعة أهل السبت و شأنهم، فذكر فيها جميع ما شرع لهم في التوراة.
كما روى ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: «التوراة كلها في خمس