سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٤ - التنبيه الرابع و الثمانون
تعوّذا، و بذلك يتمّ التّوكّل و يسكن الاضطراب عند اختلاف الأسباب. و قال القرطبي: «و أصل الأقلام الموصوفة هنا، هي المعبّر عنها بالقلم المقسم به في قوله تعال: ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ [القلم: ١] و يكون القلم هذا للجنس».
التنبيه الثاني و الثمانون:
المناسبة بين المعراج العاشر و هو الرفرف حين لقى اللّه تعالى و حضر بحضرة القدس و قام مقام الأنس و رفع الحجاب و سمع الخطاب، و كان قاب قوسين أو أدنى لا بالصورة بل بالمعنى، أن العام العاشر اجتمع فيه اللقاءان: أحدهما: لقاء البيت و حجّ الكعبة و وقوف عرفة و إكمال الدين و إتمام النعمة على المسلمين، و اللقاء الثاني: بقارب البيت و كانت فيه الوفاة و اللقاء و الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء و العروج بالروح الكريمة إلى المقعد الصّدق و إلى الموعد الحق و إلى الوسيلة و هي المنزلة الرفيعة التي لا تنبغي إلا لعبد واحد اختاره اللّه تعالى و هو محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) كما
ورد في صحيح الخبر أنه سئل عن الوسيلة فقال: «درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللّه فأرجو أن أكون إياه
[١] و رجاؤه محقّق (صلّى اللّه عليه و سلم)، و خاطره موفّق.
التنبيه الثالث و الثمانون:
قال ابن دحية: خصّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالرؤية و المكالمة لأنه صاحب الشفاعة يوم القيامة، فتوسّط قبلها لئلا يقع له حشمة البديهة كما يقع لغيره من الأنبياء فأراد اللّه سبحانه و تعالى أن يزيل عنه الانقباض قبل ذلك ليتمكن من المقام المحمود و أهّله قبل المشهد الأعلى للمشاهدة و الكلام.
التنبيه الرابع و الثمانون:
قوله تعالى: و أَعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عَرْشي،
إلى آخر الحديث. قال التّوربشتي: ليس يعني بقوله: «أعطى» أنها أنزلت عليه بل المعنى أنه استجيب له فيما لقّن من الآيتين: غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥] إلى قوله تعالى: أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة:
٢٨٦]، و لمن يقوم بحقهما من السائلين».
و قال الطيبي: «و في كلامه إشعار بأن الإعطاء بعد الإنزال لأن المراد منه الاستجابة و هي مسبوقة بالطلب و السورة و المعراج كان بمكة، و يمكن أن يقال هذا من قبيل وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣، ٤] و إنما أوثر الإعطاء لما عبّر عنه بكنز تحت العرش».
و روى الإمام أحمد عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهنّ نبيّ قبلي».
[١] أخرجه مسلم ١/ ٢٨٨ (١١- ٣٨٤).