سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٠ - ذكر أدلة القول الأول
قال القاضي: «و هذه الرواية لم تقع لنا، و لا رأيتها في أصل من الأصول، و محال أن تكون ذاته تعالى نورا، إذا النور جسم يتعالى اللّه عزّ و جلّ عنه، و من ثمّ كانت تسميته نورا بمعنى ذي النور أو خالقه. و في الحديث الآخر:
سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هل رأيت ربك؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «رأيت نورا».
و ليس يمكن الاحتجاج بواحد منهما لإفصاحهما بأنه لم يره، فإن كان الصحيح «رأيت نورا»، فقد أخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بأنه لم ير اللّه تعالى، و إنما رأى نورا منعه و حجبه عن رؤية اللّه تعالى. و إلى قوله: «رأيت نورا» يرجع قوله: «نور أنّى أراه»، أي كيف أراه مع كون حجابه النور المغشّي للبصر، و هذا الحديث مثل الحديث الآخر من حيث المعنى: حجابه النور، كما رواه مسلم و غيره. و قال أيضا في الإكمال: وقف بعض مشايخنا في هذا. و قال: ليس هذا عليه دليل واضح، و لكنه جائز، و رؤية اللّه تعالى في الدنيا جائزة.
ذكر أدلة القول الأول
زاد الشيخان و عبد الرّزّاق و عبد بن حميد و الترمذي و ابن جرير و غيرهم عن مسروق، زاد عبد الرّزّاق و من بعده عنه، قال: لقي ابن عباس كعبا بعرفة فسأله عن شيء فقال ابن عباس:
إنّا بنو هاشم نزعم، و في لفظ نقول: إن محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) رأى ربّه مرّتين. فكبّر كعب حتى جاوبته الجبال. ثم قال: «إن اللّه قسّم رؤيته و كلامه بين محمد و موسى (عليهما السلام) [فكلّم موسى مرتين] و رآه محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) مرتين». ثم اتفقوا. قال مسروق: فدخلت على عائشة فقلت يا أمتاه، هل رأى محمد ربّه؟ فقالت: لقد قفّ شعري بما قلت، أين أنت من ثلاث من حدّثكهنّ فقد كذب، و في لفظ: فقد أعظم على اللّه الفرية، من حدّثك أن محمدا رأى ربّه فقد كذب و في لفظ فقد أعظم على اللّه الفرية، ثم قرأت لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣]، وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١]، و من حدّثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، و في لفظ: فقد أعظم على اللّه الفرية، ثم قرأت: وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً [لقمان: ٣٤] و من حدّثك أنه قد كتم فقد كذب، و في لفظ فقد أعظم على اللّه الفرية، ثم قرأت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧] و لكنه رأى جبريل في صورته مرّتين .. زاد
الإمام أحمد و مسلم قال و مسروق: و كنت متكئا فجلست فقلت: ألم يقل اللّه تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣]. إن أول هذه الأمة سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن ذلك فقلت: يا رسول اللّه هل رأيت ربك؟ فقال: «لا، إنما رأيت جبريل منهبطا».
و روى الإمام أحمد عن طريق همام، و مسلم عن طريق معاذ بن هشام عن أبيه، و من طريق يزيد بن إبراهيم، ثلاثتهم عن قتادة عن عبد اللّه بن شقيق، قال: قلت: لأبي ذر: لو رأيت