سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧١ - الفصل الثاني في تكرره
و على القول بأكثر من ذلك تكون أصغر من ذلك، و على قول من قال: إن الإسراء كان بعد البعث بعام لم تكن ولدت.
تنبيه: قال في زاد المعاد: «ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناما و بين أن يقال: كان بروحه دون جسده، و بينهما فرق عظيم. و عائشة و معاوية لم يقولا: كان مناما، و إنما قالا: الإسراء بروحه و لم يفقد جسده. و فرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه عرج به إلى السماء، أو ذهب به إلى مكة أو أقطار الأرض، و روحه لم تصعد و لم تذهب، و إنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، و الذين قالوا: عرج برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) طائفتان: طائفة قالت عرج بروحه و بدنه، و طائفة قالت عرج بروحه و لم يفقد بدنه. و هؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان مناما و إنما أرادوا أن الروح ذاتها أسري و عرج بها حقيقة و باشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة. و كان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السموات سماء سماء، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فتقف بين يدي اللّه تعالى فيأمر فيها بما يشاء، ثم تنزل إلى الأرض».
«و الذي كان برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة.
و معلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم. لكن لما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في مقام خرق العوائد، حتى شقّ بطنه و هو حيّ لا يتألم بذلك، عرج بذات روحه المقدسة حقيقة من غير إماتة. و من سواه: لا ينال بذات روحه الصّعود إلى السماوات إلا بعد الموت و المفارقة، إلى آخر كلامه، و سيأتي بتمامه في باب حياته (صلّى اللّه عليه و سلم) في قبره.
الفصل الثاني: في تكرره:
ذهب جماعة منهم الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل «الشهير بأبي شامة (رحمه اللّه تعالى) إلى أن الإسراء وقع مرارا، و احتجّ بما رواه سعيد بن منصور، و البزّار، و البيهقي، و ابن عساكر عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «بينا أنا نائم إذ جاء جبريل (عليه السلام) فوكز بين كتفيّ، فقمت إلى شجرة فيها مثل و كري الطّير، فقعد جبريل في أحدهما و قعدت في الآخر، فسمت و ارتفعت حتى سدّت الخافقين، و أنا أقلبّ طرفي، فلو شئت أن أمّس السماء لمسست و فتح لي باب من أبواب السماء فرأيت النور الأعظم، و إذا دون الحجاب رفرف الدرّ و الياقوت، و في رواية فدليّ بسبب و هبط النور فوقع جبريل مغشيّا عليه كأنه حلس، فعرفت فضل خشيته على خشيتي، فأوحى اللّه تعالى إليّ ما شاء أن يوحي، و في رواية: فأوحى إليّ نبيا ملكا أو نبيا عبدا و إلى الجنّة ما أنت، فأومأ إليّ جبريل و هو مضطجع: أن تواضع. قال: قلت: لا بل نبيا عبدا.