سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٢ - التنبيه التاسع و الثلاثون
إنما رآهم في مواضعهم و مقارّهم في الأرض، و لكنه يراهم من الجانب الأيمن فالتقييد للنظر لا للمنظور».
و في قول جبريل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «هذا أبوك آدم فسلّم عليه» ما يقتضي أن القادم يبدأ بالسلام على المقيم.
التنبيه السابع و الثلاثون:
وقع في رواية شريك: «فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطّردان- أي يجريان- النيل و الفرات، و يجمع منصرفهما»- أي أصلهما. و ظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: «فإذا أصلها أربعة»، فذكر منها النيل و الفرات، و يجمع بينهما بأن أصل منبعهما من تحت سدرة المنتهى و مقرهما في السماء الدنيا و منها ينزلان إلى الأرض.
التنبيه الثامن و الثلاثون:
وقع في رواية شريك أيضا: «ثم مضى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في السماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر عليه قصور من لؤلؤ و زبرجد، فضرب يده فيه فإذا طينه مسك أذفر فقال:
يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي خبّأ لك ربّك،
و هذا مما استشكل في رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة و إن الجنة في السماء السابعة.
و قد روى الإمام أحمد عن طريق حميد الطويل عن أنس، رفعه: «دخلت الجنة فإذا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي في مجرى مائه فإذا هو مشك أذفر». فقال جبريل: «هذا الكوثر الذي أعطاك اللّه تعالى».
و أصل هذا الحديث عند البخاري بنحوه، و أخرجه في التفسير عن قتادة عن أنس رضي اللّه عنه، و لكن ليس فيه ذكر الجنة. و رواه أبو داود من طريق سليمان التيمي عن قتادة و لفظه: «لما عرج بنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عرض له في الجنة نهر»، قال الحافظ: و يمكن أن يكون في هذا الموضوع شيء تقديره: ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السماء [السابعة] فإذا هو بنهر، قال تلميذه الحافظ قطب الدين الخيضري في الخصائص: «و هذا بعيد إذ بينه و بين السماء السابعة خمس سماوات أخرى و كل منها له صفة خلاف صفة الأخرى و لها أبواب و خدّام غير الأخرى، فإطلاق المسير إليها و ذكرها بعد السادسة مما يبعده أيضا، و لكن يقال من غير استبعاد: إن أصل النهر- الذي هو الكوثر- في الجنة، و جعل اللّه تعالى منه فرعا في السماء الدنيا عجّل لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) رؤيته استبشارا لأنها أول المراتب العلوية، و يؤيد هذا قول جبريل: «خبّأ لك ربّك». انتهى.
التنبيه التاسع و الثلاثون:
في قول آدم: «مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح»، ثناء جميل جليل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و وصفه بالصلاح مكررا مع النبوة، أي صالح مع النبيين جميعا، و فيه تنويه بفضيلة الصلاح و علو درجته، و لهذا وصف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم). قال بعضهم: و صلاح الأنبياء صلاح خاصّ لا يتناول عموم الصالحين. و احتجّ على ذلك بأنه قد تمنّى كثير من الأنبياء أن يلحق بالصالحين، و لا يتمنّى الأعلى أن يلحق بالأدنى، و لا خلاف في أن النبوة أعلى من