سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦٧ - الباب الخامس في تلقي أهل المدينة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و نزوله بقباء و تأسيس مسجد قباء
و روى الزبير بن بكّار عن عبد اللّه بن حارثة قال: «نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على كلثوم بن الهدم، فصاح كلثوم بغلام له فقال: يا نجيح. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أنجحت يا أبا بكر»
و أقام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بمكة بعد مخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أياما- قال بعضهم: ثلاثة- حتى أدّى للنّاس ودائعهم التي كانت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و خلفه ليردّها، ثم خرج فلحق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بقباء فنزل على كلثوم بن الهدم.
و قال عليّ فيما رواه ابن إسحاق و رزين: «كنت نزلت بقباء و كانت امرأة مسلمة لا زوج لها، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه فاستربت شأنه، فقلت لها: يا أمة اللّه، من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كلّ ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدري ما هو، و أنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حنيف، قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها. فقال: احتطبي بها، فكان عليّ يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.
و كان لكثوم بن الهدم مربد، و المربد الموضع الذي يبسط فيه التّمر ليجفّ، فأخذه منه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأسّسه و بناه مسجدا. و في الصحيح عن عروة: «فلبث في بني عمرو بن عوف و أسّس المسجد الذي أسّس على التقوى». و في رواية عبد الرّزّاق عنه قال: «الذين بني فيهم المسجد الذي أسّس على التقوى» هم بنو عمرو بن عوف و كذا عند ابن عائذ و لفظه: «و مكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال و اتّخذ مكانه مسجدا فكان يصلي فيه ثم بناه بنو عمرو بن عوف فهو الذي أسّس على التقوى».
و روى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن المسعودي عن الحكم بن عتيبة- بضم العين المهملة و فتح الفوقية و سكون التحتية و بالموحّدة- قال: لما قدم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فنزل بقباء قال عمّار بن ياسر: «ما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بدّ من أن يجعل له مكانا يستظلّ به إذا استيقظ و يصلّي فيه». فجمع حجارة فبنى مسجد قباء فهو أول من بنى مسجدا- روى الحافظ و السيد- يعني لعامّة المسلمين أو للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بالمدينة، و هو في التحقيق أوّل مسجد صلّى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا، و إن كان قد بني غيره من المساجد، فقد روى ابن أبي شيبة عن جابر رضي اللّه عنه قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) سنتين نعمر المساجد و نقيم الصلاة، و لذا قيل: كان المتقدّمون في الهجرة من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و الأنصار بقباء قد بنوا مسجدا يصلّون فيه، يعني هذا المسجد، فلما هاجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و ورد قباء صلّى بهم فيه إلى بيت المقدس، و لم يحدث فيه شيئا أي في أوّل الأمر لأن ابن شبّة- بالشين المعجمة