سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢ - السابع في الكلام على قوله
يكون إخبارا عن أحواله على التعميم، أي كان أبدا موحّدا للّه. و هو الصحيح.
ابن القيم: نفى اللّه سبحانه و تعالى عن رسوله الضلال المنافي للهدى و الغيّ المنافي للرشد، ففي ضمن هذا النفي الشهادة له بأنه على الهدى و الرشد، فالهدى في علمه و الرشد في عمله، و هذان الأصلان هما غاية كمال العبد، و هما سعادته و صلاحه، و بهما وصف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) خلفاءه، فقال: «عليكم بسنّتي و سنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي [١].
«فالرّاشد ضد الغاوي، و المهدي ضد الضال و هو الذي زكت نفسه بالعلم النافع و العمل الصالح و هو صاحب الهدى و دين الحق، لا يشتبه الراشد المهدي بالضالّ الغاوي، إلا على أجهل الخلق و أعماهم قلبا و أبعدهم من حقيقة الإنسانية، و رحم اللّه القائل:
و ما انتفاع أخي الدّنيا بناظره* * * إذا استوت عنده الأنوار و الظّلم
و الناس أربعة أقسام: الأول: ضالّ في علمه، غاو في قصده و عمله، و هؤلاء سواد الخلق، و هم مخالفو الرسل. الثاني: مهتد في علمه غاو في قصده و عمله، و هؤلاء هم الأمة العصيّة و من تشبّه بهم، و هو حال كل من عرف الحق و لم يعمل به. الثالث: ضال في علمه و لكن قصده الخير و هو لا يشعر، الرابع: مهتد في علمه راشد في قصده و هم ورثة الأنبياء، و هم و إن كانوا الأقلّين عددا فهم الأكثرون عند اللّه قدرا، و هم صفوة اللّه تعالى من خلقه.
و تأمّل كيف قال تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ، و لم يقل: محمدا، تأكيدا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم، و هم أعلم الخلق به و بحاله و أقواله و أعماله، و أنهم لا يعرفونه بكذب و لا غيّ و لا ضلال، و لا ينقمون عليه أمرا واحدا قط. و قد نبّه تعالى على ذلك بقوله: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ [المؤمنين: ٦٩]، و بقوله: وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: ٢٢].
السابع: في الكلام على قوله: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى: [النجم: ٣].
قال [تعالى] أولا: «ما ضلّ» و «و ما غوى»، بصيغة الماضي، و عبّر هنا بصيغة المستقبل، و هو ترتيب في غاية الحسن، أي ما ضلّ حين اعتزلكم و ما تعبدون حين اختلى بنفسه. و ما ينطق عن الهوى الآن حيث أرسل إليكم و جعل شاهدا عليكم، فلم يكن أولا ضالا و لا غاويا، و صار الآن منقذا من الضلالة و مرشدا و هاديا، و اللّه سبحانه و تعالى يصون من يريد إرساله في صغره عن الكفر و المعايب، فقال تعالى: ما ضَلَ في صغره لأنه لا ينطق عن الهوى.
[١] أخرجه أبو داود ٤/ ٢٠١ (٤٦٠٧) و الترمذي [٢٦٧٦] و ابن ماجة (٤٢) و أحمد في المسند ٤/ ١٢٦ و الطبراني في الكبير ١٨/ ٢٤٦ و البيهقي في السنن ١٠/ ١١٤ و ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٦٦.