سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - الباب الثالث في بدء إسلامهم رضي اللّه عنهم
الباب الثالث في بدء إسلامهم رضي اللّه عنهم
قال ابن إسحق: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على ذلك من أمره كلما اجتمع له ناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى اللّه تعالى و إلى الإسلام و يعرض عليهم نفسه و ما جاءهم به من اللّه تعالى من الهدى و الرحمة، و لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم و شرف إلا تصدّى له و دعاه إلى اللّه تعالى و عرض عليه ما عنده.
و روى ابن إسحق بسند جيّد عن محمود بن لبيد قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع [مكة]- فيما ذكره ابن إسحق، و بشر فيما ذكره الزبير بن بكّار- في فتية من قومه بني عبد الأشهل يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟». فقالوا له: و ما ذاك؟ قال: «أنا رسول اللّه بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا اللّه و لا يشركوا به شيئا و أنزل عليّ الكتاب»،
ثم ذكر لهم الإسلام و تلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، و كان غلاما حدثا: «أي قوم هذا و اللّه خير مما جئتم له». فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ، و قال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا. فصمت إياس و قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عنهم و انصرفوا إلى المدينة. و كانت وقعة بعاث بين الأوس و الخزرج ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك.
قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل اللّه تعالى و يكبّره و يسبّحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما سمع.
و روى أبو زرعة الرازي في دلائل النبوة له بسند حسن، و الحاكم و صحّحه عن معاذ بن رفاعة بن رافع [١] عن أبيه عن جدّه أنه خرج هو و ابن خالته معاذ بن عفراء [٢] حتى قدما مكة [٣]،
[١] معاذ بن رفاعة الأنصاري الزرقي .. ذكره الواقدي و قال: شهد غزوة بني قريظة مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) على فرس، قلت: و في التابعين معاذ بن رفاعة آخر يروي عن أبيه و جابر و خولة روى عنه عبد اللّه بن محمد بن عقيل. الإصابة ٦/ ١٠٨.
[٢] معاذ بن الحرث بن رفاعة بن الحرث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك النجاري الأنصاري الخزرجي المعروف بابن عفرا و قيل: بحذف الحرث الثاني في نسبه و عفراء أمه عرف بها .. شهد العقبة الأولى مع الستة الذين هم أول من لقي النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من الأوس و الخزرج و شهد بدرا و شرك في قتل أبي جهل و عاش بعد ذلك و قيل: بل جرح ببدر فمات من جراحته. الإصابة ٦/ ١٠٧، ١٠٨.
[٣] مكة بيت اللّه الحرام: بلدة فيها الكعبة القبلة التي يتوجّه المسلمون إليها في صلاتهم من سائر الآفاق، سمّيت مكة، لأنها تمك أعناق الجبابرة، أي تذهب نخوتهم و تذلّهم. و قيل: لتمكّك الناس بها، و هو ازدحامهم. و تسمّى بكة أيضا- بالباء- لتبكّك الناس بها، و هو ازدحامهم. و قيل: مكة اسم المدينة، و بكّة اسم للبيت. مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٠٣.