سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٠ - التنبيه الحادي و السبعون
عن كعب الأحبار قال: «إن نهر العسل نهر النيل و نهر اللبن نهر دجلة و نهر الخمر نهر الفرات و نهر الماء نهر سيحان».
التنبيه السبعون:
قوله في السّدرة: «يغشاها جراد من ذهب».
قال البيضاوي: «ذكر الجراد و الفراش وقع على سبيل التمثيل لأن من شأن الشجر أن يسقط عليه الجراد و شبهه، و جعلها من ذهب لصفاء لونها و إضاءتها في نفسها». و قال الحافظ: «و يجوز جعلها من الذهب حقيقة، و يخلق اللّه فيها الطيران، و القدرة صالحة لذلك». انتهى.
التنبيه الحادي و السبعون:
قوله «فغفر لي ما تقدّم من ذنبي و ما تأخّر»،
قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي (رحمه اللّه): «المراد تشريف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بهذا الأمر، أي لو كان له ذنوب لغفرت و لم يكن له ذنب البتة». و حكى الشيخ (رحمه اللّه) في كتابه المحرّر، في الكلام على هذه الآية اثني عشر قولا، و نقل عن السبكي فساد خمسة منها و بيّن الشيخ فساد الباقي، ثم قال: «أما الأقوال المقبولة ففي الشفا للقاضي قيل إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لمّا أمر أن يقول: وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ [الأحقاف: ٩] سرّ بذلك الكفّار فأنزل اللّه تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] و أخبر بمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها، فمقصد الآية أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب و هذا الأثر رواه ابن المنذر في تفسيره عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، بدون قوله و أخبر بمآل المؤمنين إلى آخره، و روى الإمام أحمد و الترمذي و الحاكم نحوه.
قال القاضي: قال بعضهم: المغفرة هنا تنزيه من العيوب، و قال بعض المحققين:
المغفرة هنا كناية عن العصمة أي فعصمت فيما تقدّم من عمري و فيما تأخّر منه، و هذا القول في غاية الحسن. و قد عدّ البلغاء من أساليب البلاغة في القرآن أنه يكنّي عن التخفيفات بلفظ المغفرة و العفو و التوبة، كقوله عند نسخ قيام الليل: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ [المزمل: ٢٠] و عند نسخ تقديم الصدقة بين يدي النّجوى فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [المجادلة: ١٣] و عند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام: فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ [البقرة: ١٨٧].
ثم نقل عن السبكي أنه قال: «قد تأمّلت هذه الآية بذهني مع ما قبلها و ما بعدها فوجدتها لا تحتمل إلا وجها واحدا و هو تشريف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، من غير أن يكون هناك ذنب، و لكنه أريد أن تستوعب في الآية جميع أنواع النعم من اللّه تعالى على عباده. و جميع النعم الأخروية شيئان: سلبية و هي غفران الذنوب، و ثبوتية و هي لا تتناهى و قد أشار إليها بقوله:
وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [يوسف: ٦] و جميع النعم الدنيوية شيئان: دينية أشار إليها بقوله: