سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٦ - التنبيه الثامن و العشرون
ذلك بالعلم مطلقا، و يجعل اللّه تعالى ذلك اللبن سببا في ترادف العلم و أشجان القلب النبوي بأنوارها. و قال القرطبي: يحتمل أن يكون تسمية اللبن فطرة لكونه أوّل شيء يدخل بطن المولود و يشقّ أمعاءه، و السّرّ في ميل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إليه دون غيره لكونه مألوفا له، و لأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة، و افهم قول جبريل «أصبت»، فإن اختيار الخمر خطأ عصم منه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كانت المسألة حينئذ اجتهادية لأن الخمر لم تكن حرّمت بعد، فقد وقع تخييره في ملك اللّه الأعظم.
التنبيه الخامس و العشرون:
ظاهر قوله: «ثم أتي بالمعراج» أن العروج كان لا على البراق و في ذلك خلاف، فظاهر حديث مالك بن صعصعة أنه استمر على البراق حتى عرج به إلى السماء، و هو مقتضى كلام ابن أبي جمرة و ابن دحية. قال الحافظ: «لكن في غير هذه الرواية من الأخبار أن العروج لم يكن على البراق بل رقي في المعراج و هو السّلّم، و يؤيده قوله في حديث ثابت عن أنس كما في صحيح مسلم: «ثم أتيت بالمعراج».
و قال الحافظ ابن كثير: «إنه لمّا فرغ (صلّى اللّه عليه و سلم) من أمر بيت المقدس نصب له المعراج و هو السّلّم، فصعد فيه إلى السماء، و لم يكن الصعود على البراق كما قد توهّمه بعض الناس، بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة».
و قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى): «إنه الصحيح الذي تقرّر من الأحاديث الصحيحة».
التنبيه السادس و العشرون:
نوّع ابن دحية المعراج إلى عشرة أنواع على عدد سني الهجرة، منها سبعة معاريج إلى السموات السبع، و المعراج الثامن إلى سدرة المنتهي و المعراج التاسع الذي سمع فيه صريف الأقلام في تصريف الأقدار، و المعراج العاشر إلى العرش و الرّفرف و الرؤية و سيأتي ما أبداه من الحكم في ذلك.
التنبيه السابع و العشرون:
ورد أن بين الدرجة و الدرجة في الجنّة خمسمائة عام و أن الدرجة تهبط كالإبل ليصعد عليها وليّ اللّه تعالى ثم ترفع به إلى مكانها و الظاهر أن درج المعراج كذلك.
التنبيه الثامن و العشرون:
لا يتوهّم بما تسمعه في قصة المعراج من الصعود و الهبوط أن بين العبد و ربّه مسافة، فإن ذلك كفر، نعوذ باللّه من ذلك، و إنما هذا الصعود و الهبوط بالنسبة إلى العبد لا إلى الرّبّ، و النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مع انتهائه ليلتئذ إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى، لم يجاوز مقام العبودية، و كان هو و نبيّ اللّه يونس بن متّى (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا التقمه الحوت و ذهب به إلى البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، في مباينة اللّه تعالى خلقه و عدم الجهة و التحيز و الحدّ و الإحاطة سواء. و قد ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة ذكره الإمام البغوي و غيره.
و إذا علمت ذلك فالمارد بترقّيه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قطع هذه المسافات إظهار مكانته عند أهل