سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٧ - الباب الثالث في اختلاف العلماء في رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لربه تبارك و تعالى ليلة المعراج
عقلا، فقد امتنعت سمعا. لكن من أثبتها للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) له أن يقول إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه».
قال القاضي: «و لا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] لاختلاف التأويلات في الآية، فقد قيل: المراد بالإدراك الإحاطة، فلا نفي فيها لمطلق الرؤية، و قيل: لا تدركه أبصار الكفّار، و قيل غير ذلك: و الجواب الصحيح أنه لا دلالة في هذا النفي على عموم الأوقات و لا حال من الأحوال لأنه مسكوت عنه. فمن أين أن المراد لا تدركه الأبصار في وقت من الأوقات و لا حال من الأحوال؟ بل يتعيّن الحمل على النفي بالنسبة إلى دار الدنيا جمعا بين الأدلة السمعية».
و قال أبو العباس القرطبي في المفهم: «الأبصار» جمع محلّى بالألف و اللام، فيقبل التخصيص، و قد ثبت ذلك سمعا في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فيكون المراد الكفّار، بدليل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قال: فإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى الرائي» انتهى.
قال الحافظ: «و هو استدلال جيد».
و قد يستدل بهذه الآية على جواز إمكان الرؤية، إذ لو امتنعت الرؤية لما حصل التّمدّح في الآية بنفي الرؤية، و وجه الملازمة أن الممتنع منتف في حد ذاته، فلا يكون نفيه صفة مدح، لأنه ضروري كالمعدوم الممتنع الرؤية، لا يمدح بعدم رؤيته، إذ لا يكون: «المعدوم لا يرى» تمدحا، لامتناع رؤية المعدوم. و قد ثبت التمدح بنفي عدم رؤيته تعالى فتكون رؤيته ممكنة، و الحاصل أن التمدح بنفي عدم الرؤية إنما يكون في إمكان رؤيته تعالى لكنه لا يرى للامتناع و تعذر الإبصار و التحجب بحجاب الكبرياء و الجلال لا في أنه لا يرى لامتناع رؤيته تعالى.
لكن الصفات السلبية على هذا، صفات تمدّح، و إن جعلنا الإدراك في الآية عبارة عن الرؤية على وجه الإحاطة بجوانب المرئي و حدوده. فدلالة الآية حينئذ على جواز الرؤية بل على تحققها بالوقوع، أظهر من دلالتها على الجواز بما ذكر من التّمدّح. إذ المعنى على هذا لا تدركه الأبصار، إذ نظرت إليه على وجه الإحاطة، لأنه تبارك و تعالى، مع كونه مرئيا بالأبصار لا تدركه الأبصار على وجه الإحاطة، لتعاليه قطعا عن التناهي و عن الاتصاف بالحدود التي هي النهايات و الجوانب على ما تبيّن في كتب الكلام.
و الإحاطة بما لا يتناهى محال. و لهذا مزيد بيان يأتي في الكلام على حديث عائشة رضي اللّه عنها. و مع القول بجوازها في الدنيا، لم يحصل لبشر غير نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم)، على ما في