سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٨ - الباب الثالث في اختلاف العلماء في رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لربه تبارك و تعالى ليلة المعراج
ذلك من الخلاف، و من ادّعاها غيره فهو ضالّ. كما جزم بكفره الإمام موفق الدين الكواشي [١]- بالفتح و التخفيف و بالمعجمة- و الإمام المهدوي [٢] في تفسيريهما، و الإمام جمال الدين الأردبيلي [٣]- بالفتح و سكون الراء و ضم الدال المهملة و كسر الموحدة و سكون التحتية- في كتاب «الأنوار» إذ قد سألها نبي اللّه و رسوله و كليمه موسى بن عمران، و لم تحصل له، أ فتحصل لآحاد الناس؟ هذا مما يتوقف فيه.
فصل: و إذا علم ما تقرر ففي رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لربه تبارك و تعالى ليلة المعراج مذهبان:
فنفتها عائشة و هو المشهور عن ابن مسعود، و جاء مثله عن أبي هريرة، و إليه ذهب كثيرون من المحدّثين و المتكلمين. و بالغ الحافظ عثمان عن سعيد الدارمي، فنقل فيه الإجماع، و الثاني أنه رآه. و روى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه كان يحلف باللّه أن محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) رأى ربه.
و روى ابن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها، و كان يشتد عليه إنكار عائشة لها. و به قال سائر أصحاب ابن عباس، و به جزم كعب الأحبار و الزهري و معمر و آخرون. و به قال الشيخ أبو الحسن الأشعري [٤] و غالب أتباعه. و جنح ابن خزيمة إلى ترجيحه بما يطول ذكره. ثم اختلفوا:
[١] أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع بن الحسين بن سويدان الشيباني الموصلي، موفق الدين أبو العباس الكواشي:
عالم بالتفسير، من فقهاء الشافعية. من أهل الموصل. كان يزوره الملك و من دونه فلا يقوم لهم و لا يعبأ بهم. من كتبه:
«تبصرة المتذكر» في تفسير القرآن، و «كشف الحقائق» و «تلخيص في تفسير القرآن العزيز». توفي ٦٨٠ ه-. الأعلام ١/ ٢٧٤.
[٢] أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي التميمي، أبو العباس: مقرئ أندلسي أصله من المهدية بالقيروان. رحل إلى الأندلس في حدود سنة ٤٠٨ و صنف كتبا، منها «التفصيل الجامع لعلوم التنزيل» و هو تفسير كبير للآيات، يذكر القراءات و الإعراب، و اختصره و سماه «التحصيل في مختصر التفصيل» توفي نحو ٤٤٠ ه-. الأعلام ١/ ١٨٤.
[٣] محمد بن عبد الغني الأردبيلي، جمال الدين: نحوي. له «شرح أنموذج الزمخشري» في النحو. توفي سنة ٦٤٧ ه-.
الأعلام ٦/ ٢١١.
[٤] علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد اللّه بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري. إمام المتكلمين، و ناصر سنة سيد المرسلين، و الذابّ عن الدين، و المصحح لعقائد المسلمين. مولده سنة ستين و مائتين، و قيل: سنة سبعين. أخذ علم الكلام أولا عن أبي على الجبائي شيخ المعتزلة، ثم فارقه، و رجع عن الاعتزال، و أظهر ذلك، و شرع في الرد عليهم، و التصنيف على خلافهم. و قال أبو بكر الصيرفي: و هو من نظراء الشيخ أبي الحسن، كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر اللّه الأشعري فحجرهم في أقماع السمسم.
قال الخطيب البغدادي: أبو الحسن الأشعري المتكلم، صاحب الكتب و التصانيف في الرّد على الملحدة و غيرهم من المعتزلة و الرافضة، و الجهمية و الخوارج، و سائر أصناف المبتدعة. و هو بصري سكن بغداد إلى أن توفي. و قد جمع الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر له ترجمة حسنة، ورد على من تعرض له بالطعن، و ذكر فضائله، و مصنفاته، و متابعته في كتبه المذكورة السنة، و انتصارها لها، و ذبه عنها و من أخذ عنه من العلماء الأعلام، سمّاه «تبيين الكذب المفتري فيما نسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري»، و هو كتاب مفيد مطبوع و متداول بين أهل العلم توفي في سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة.
انظر الطبقات لابن قاضي شهبة ١/ ١١٣، ١١٤، و تاريخ بغداد ١١/ ٣٤٦ و وفيات الأعيان ٢/ ٤٤٦ و البداية و النهاية ١١/ ١٨٧ و طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ٢٤٥ و تبيين كذب المفتري ص ١٢٨ و شذرات الذهب ٢/ ٣٠٣ و النجوم الزاهرة ٣/ ٢٥٩ و الجواهر المضية ١/ ٣٥٣.