سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦١ - تنبيهات
- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من المؤمنين لما فيه من التنويه من اللّه تعالى بعبده و الرفع لذكره، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه به و أفخم لشأنه، و هذا معنى بيّن، فإن اللّه تعالى يقول: وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [سورة الشرح، الآية: ٤]، فمن رفع ذكره أن أشار به على لسان غيره». انتهى كلام السهيلي- و هذا حسن بديع.
الثامن: من أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن مروان- و هو تالف- عن عبد اللّه بن الزّبير قال: «أخذ الأذان من أذان إبراهيم (عليه السلام) وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ [سورة الحج، الآية: ٢٧] الآية، قال: «فأذّن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)-»، و ما رواه أبو نعيم بسند فيه مجاهيل عن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما: «أن جبريل نادى بالأذان لآدم (عليه السلام) حين أهبط من الجنة».
التاسع: ذكر بعضهم مناسبة اختصاص بلال بالأذان دون غيره، كونه لما عذّب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد أحد، فجوزي بولاية الأذان المشتمل على التوحيد من ابتدائه إلى انتهائه.
العاشر: استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد اللّه بن زيد، و رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي. و أجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك بأنه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أمر بمقتضاها لينظر أ يقرّ على ذلك أم لا، و لا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، و يؤيد الأول حديث عبيد بن عمير، أحد كبار التابعين:
«أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال». فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «سبقك بذلك الوحي»
[١].
و هذا أصحّ كما حكاه الداودي عن ابن إسحاق «أن جبريل أتى النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بالأذان قبل أن يخبره عبد اللّه بن زيد بثمانية أيام».
الحادي عشر: قيل إن الحكمة في تثنية الأذان و إفراد الإقامة أن الأذان إعلام للغائبين متكرّر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين، و من ثمّ استحبّ أن يكون الأذان في مكان عال بخلاف الإقامة، و أن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة.
الثاني عشر: في بيان غريب ما سبق:
«بدء» الأذان، بفتح الموحدة و سكون الدال [المهملة] و بالهمزة، أي ابتداؤه.
«الحين»: الزمان قلّ أو كثر.
[١] أخرجه أبو داود في المراسيل (٨١) حديث (٢٠) و ذكره السيوطي في الجامع الكبير من حديث الشعبي مرسلا و عزاه للضياء في المختارة.