سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩٨ - الباب الرابع في محبته (صلّى اللّه عليه و سلم) لها و دعائه لها و لأهلها و رفع الوباء عنها بدعائه (صلّى اللّه عليه و سلم)
يعقلون من شدة الحمّى، فنظر إلى السماء و
قال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة»-
و في لفظ للجندي و رزين «و أشدّ»، بالواو بدلا من «أو»-
«و صحّحها و بارك لنا في صاعها و مدّها، ثم انقل وباءها إلى مهيعة [١]- و هي الجحفة»،
و إنه ليتّقي شرب الماء من عينها التي يقال لها عين خمّ.
و روى البخاري و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و محمد بن الحسن المخزومي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فأوّلتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة.
و روى الزبير بن بكّار عن عروة بن الزبير مرسلا قال: «أصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوما، فجاء إنسان قدم من ناحية طريق مكة، فقال له: «هل لقيت أحدا»؟ قال: لا يا رسول اللّه إلا امرأة سوداء عريانة ثائرة الشّعر. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «تلك الحمّى و لن تعود بعد اليوم أبدا».
و روي أيضا عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: لما قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة و عك أصحابه، و قدم رجل فتزوج امرأة كانت مهاجرة، فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على المنبر فقال: يا أيها الناس «إنما الأعمال بالنيات»- ثلاثا- «فمن كانت هجرته إلى اللّه و رسوله فهجرته إلى اللّه و رسوله، و من كانت هجرته إلى دنيا يطلبها أو امرأة يخطبها فإنما هجرته إلى ما هاجر إليه» [٢]، ثم رفع يديه و قال: «اللهم انقل عنا الوباء»- ثلاثا- فلما أصبح قال: أتيت الليلة بالحمّى فإذا عجوز سوداء ملبّبة في يدي الذي جاء بها فقال: هذه الحمّى فما ترى فيها؟ فقلت: «اجعلوها بخمّ».
و روى البيهقي عن هشام بن عروة قال: كان وباء المدينة معروفا في الجاهلية، و كان إذا كان الوادي وبيئا فأشرف عليه إنسان فقيل له: انهق نهيق الحمار، فإذا فعل ذلك لم يضرّه، قال الشاعر:
لعمري لئن عشّرت من خشية الرّدى* * * نهيق الحمار إنّني لجزوع
قال هشام: و كان المولود إذا ولد بالجحفة لم يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمّى. و قال ابن إسحاق: و ذكر ابن شهاب الزهري عن عمرو بن العاص أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما قدم المدينة هو و أصحابه أصابتهم حمّى المدينة حتى جهدوا مرضا، و صرف اللّه ذلك عن نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى ما كانوا يصلّون إلا و هم قعود، قال:
فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هم يصلّون كذلك فقال لهم:
«اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم»
[٣]، فتجشّم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف و السقم التماسا للفضل.
[١] أخرجه البخاري ٧/ ٣٠٨ (٣٩٢٦).
[٢] أخرجه البخاري ١/ ٩ (١) و مسلم ٣/ ١٥١٥ (١٥٥- ١٩٠٧).
[٣] أخرجه البخاري بنحوه ٢/ ٦٨٠ (١١١٥) و انظر البداية و النهاية ٣/ ٢٢٤.