سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٩ - التنبيه التاسع و الأربعون
الصلاة و السلام أخرجه قومه ثم ظفر بهم في غزوة الفتح فعفا عنهم و قال: «أقول كما قال أخي يوسف: (لا تثريب عليكم)».
قال ابن أبي جمرة: لأن أمة محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) يدخلون الجنة على صورته، زاد ابن أقرص و إشارة إلى جعله على خزائن الأرض. و قال ابن دحية: مناسبة لقائه ليوسف في السماء الثالثة أن السنة الثالثة من سني الهجرة اتفقت فيها غزوة أحد و كانت على المسلمين لم يصابوا بنازلة قبلها و لا بعدها مثلها، فإنها كانت وقعة أسف و حزن.
و أهل التعبير يقولون: من رأى أحدا اسمه يوسف آذن ذلك من حيث الاشتقاق و من حيث قصة يوسف (عليه السلام) بأسف يناله. قال ابن دحية: فإن كان يوسف النبي فالعاقبة حميدة و الآخرة خير من الأولى.
و مما اتفق في غزوة أحد من المناسبة شيوع قتل المصطفى فناسب ما حصل للمسلمين من الأسف على فقد نبيهم ما حصل ليعقوب من الأسف على يوسف لاعتقاده أنه فقد إلى أن وجد ريحه بعد تطاول الأمد. و من المناسبة أيضا بين القصتين أن يوسف كيد و ألقي في غيابة الجبّ حتى أنقذه اللّه تعالى على يد من شاء. قال ابن إسحاق: و كبّت الحجارة على جبهة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من قريش حتى سقط لجنبه في حفرة كان أبو عامر الفاسق قد حفرها مكيدة للمسلمين، فأخذ عليّ (كرم اللّه وجهه) بيد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و احتضنه طلحة حتى قام.
قال السهيلي: «ثم لقاؤه لإدريس (عليه السلام) في السماء الرابعة و هو المكان الذي سمّاه اللّه مَكاناً عَلِيًّا [مريم: ٥٧] و إدريس أول من آتاه اللّه الخط بالقلم فكان ذلك مؤذنا بحال رابعة و هي علوّ شأنه (عليه السلام) حتى خافه الملوك و كتب إليهم يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو سفيان و هو عند ملك الروم حين جاءه كتاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و رأى ما رأى من خوف هرقل: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر، [و كتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشي و ملك عمان، و منهم من هادنه و أهدى إليه و أتحفه كهرقل و المقوقس، و منهم من تعصّى عليه فأظهره اللّه عليه، فهذا مقام عليّ و خط بالقلم كنحو ما أوتى إدريس (عليه السلام)].
«و لقاؤه في السماء الخامسة لهارون المحبّب في قومه يؤذن بحبّ قريش و جميع العرب له بعد بغضهم فيه». و قال ابن أبي جمرة: إنما كان هارون في الخامسة لقربه من أخيه موسى، و كان موسى أرفع منه بفضل كلام اللّه تعالى. و قال ابن دحية ما نال هارون من بني إسرائيل من الأذى ثم الانتصار عليهم و الإيقاع بهم و قصر التوبة فيهم على القتل دون غيره من العقوبات المنحطّة عنه، و ذلك أن هارون عند ما تركه موسى في بني إسرائيل و ذهب لموعد