سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٠٧ - الباب العاشر في رجوعهم إليه (صلّى اللّه عليه و سلم) في عقوبة الزاني و ما ظهر في ذلك من كتمانهم ما انزل اللّه عز و جل في التوراة من حكمه و صفة نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم)
على من زنى بعد إحصان؟ قالوا: يحمّم و يجبّب. فقال عبد اللّه بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرّجم. فأتوه بالتوراة فنشروها فوضع [أحدهم] يده على آية الرّجم فقرأ ما قبلها و ما بعدها، فقال عبد اللّه بن سلام: ارفع يدك. فرفعها فإذا آية الرّجم تلوح. قال: صدق محمد. و في رواية: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما أقسم عليهم باللّه عز و جل سكت شابّ منهم فلما رآه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سكت ألظّ به المسألة، فقال: إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرّجم. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «فما أوّل ما رخصتم أمر اللّه عز و جل؟» قال: زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخّر عنه الرّجم. ثم زنى رجل في أسرة من الناس فأرادوا رجمه فحال قومه دونه و قالوا: و اللّه لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم. و في رواية أن الزّنى كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه، و إذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئا و نقيمه على الشريف و الوضيع. فأجمعنا على التحميم و الجلد، أما و اللّه يا أبا القاسم إنهم ليعرفون إنك نبي مرسل و لكنهم يحسدونك.
فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «اللهم إني أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه قديما بالشهوة» [١].
فجاؤوا بأربعة شهود فشهدوا بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بهما فرجما عند باب مسجده، و في رواية: بالبلاط. قال ابن عمر: فرأيت الرجل يجنى على المرأة ليقيها الحجارة، و في لفظ: فكنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها الحجارة بنفسه.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
«بيت المدارس» [٢]: بكسر الميم و هو البيت الذي يقرأ فيه أهل الكتاب كتبهم.
«التّجبيه» [٣]: بفتح الفوقية و سكون الجيم و كسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة ثم هاء، فسّر الحديث بالجلد و التحميم و المخالفة في الركوب قال ثابت بن قاسم: و قد يكون معناه التعيير و الإغلاظ من جبهت الرجل أن قابلته بما يكره، و ضبطها بعضهم بمثناة في آخره و قبلها حركة، و أصله البروك و هو بعيد هنا.
«صوريا»: بصاد مهملة مضمومة و آخره ياء و ألف.
«ياسر»: بتحتية و سين مهملة.
[١] أخرجه مسلم (١٣٢٧) و أبو داود (٤٤٤٦) و ابن ماجة (٢٥٥٥- ٢٥٥٨) و أحمد في المسند ٤/ ٢٨٦ و الطبراني في الكبير ٦/ ١٥٠.
[٢] انظر اللسان ٢/ ١٣٦٠.
[٣] انظر اللسان ١/ ٥٤٢.