سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٢ - تنبيهات
تنبيهات
الأول: السّحر يطلق و يراد به الآلة التي يسحر بها، و يطلق و يراد به فعل الساحر، و تكون الآلة تارة معنى من المعاني فقط كالرّقى و النّفث في العقد، و تارة تكون بالمحسوسات. و تارة تجمع الأمرين الحسي و المعنوي و هو أبلغ.
الثاني: اختلف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط و لا حقيقة له، و هو اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية، و أبي بكر الدارمي من الحنفية، و ابن حزم الظاهري و طائفة. قال النووي: «و الصحيح أن للسحر حقيقة، و به قطع الجمهور، و عليه عامة العلماء، و يدل عليه الكتاب و السنة الصحيحة المشهورة» انتهى. و لكن محل النزاع: هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال إنه تخييل فقط، منع. و قيل إن له حقيقة. و اختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغيّر المزاج فيكون نوعا من الأمراض، و ينتهي إلى حالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا و عكسه؟
فالذي عليه الجمهور، الأول. و ذهبت طائفة قليلة إلى الثاني.
فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلّم به، و إن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرا ممن يدّعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه. و ذكروا قوما أنكروا السحر مطلقا و كأنهم عنوا القائلين بأنه تخييل و إلا فهذه مكابرة. قال المازري: جمهور العلماء على إثبات السحر و أن له حقيقة، و نفى بعضهم حقيقته و أضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، و هو مردود لورود النقل بإثبات السحر، و لأن العقل لا ينكر أن اللّه تعالى قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفّق أو تركيب أجسام أو بمزج بين قوى على ترتيب مخصوص، و نظير ذلك ما يقع من حذّاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضّارّ منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعا. و قيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر اللّه تعالى في قوله: يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ [سورة البقرة، آية ١٠٢] لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره. قال المازري: «و الصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، و الآية ليست نصا في منع الزيادة و لو قلنا إنها ظاهرة في ذلك». ثم ذكر الفرق بين السّحر و المعجزة و الكرامة، و قد ذكرته في أبواب المعجزات.
الثالث: قال النووي: «عمل السحر حرام و هو من الكبائر بإجماع، و قد عدّه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من السبع الموبقات، و منه ما يكون كفرا، و منه ما لا يكون كفرا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر كالتّعبّد للشياطين أو الكواكب. و أما تعليمه و تعلّمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر استتيب منه [متعاطيه] و لا يقتل. فإن تاب قبلت توبته، و إن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزّر. و عن الإمام مالك: السّاحر كافر يقتل و لا يستتاب. بل يتحتّم