سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧ - العاشر في الكلام على الأقصى
المغنيّ بقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ [آل عمران: ٩٦]، و
بقوله (صلّى اللّه عليه و سلم) لما سأله أبو ذرّ عن أول مسجد وضع في الأرض فقال: «المسجد الحرام».
و استعمله بعد ذلك في المسجد المحيط بالكعبة في
قوله: «صلاة في المسجد الحرام بكذا و كذا صلاة»،
على وجه التغليب المجازي. و في قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الإسراء: ١] على قول من يقول المراد به مكة، لأنه كان في بيت أم هانئ. و في دور مكة و الحرم حولها في قوله: «ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام». كل ذلك من باب التغليب المسوغ للمجاز المتوسّع فيه و إلا لزم الاشتراك في موضع لفظ المسجد الحرام، و المجاز أولى منه، و كيف يقال بالاشتراك؟
و الفهم ما تبادر عند الإطلاق إلى الكعبة، أو إليها مع المسجد حولها، و لا يتبادر إلى مكة كلها إلا بقرينة». انتهى ملخّصا.
العاشر: في الكلام على الأقصى.
البرهان النسفي (رحمه اللّه): «اتفقوا على أن المراد به مسجد بيت المقدس، و سمّي بالأقصى لبعد المسافة بينه و بين المسجد الحرام».
الزمخشري (رحمه اللّه): «سمّى الأقصى لأنه لم يكن وراءه مسجد».
الكفيل: فثبت له هذا النّعت و إن كان وراءه بعد [١] مساجد هي أقصى منه، لأن العلمية إذا أثبتت لسبب لم يضرّ زوال السبب».
ابن دحية (رحمه اللّه): «و هو معدن الأنبياء من لدن الخليل (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لذا جمعوا له هناك كلهم، و أنهم في محلتهم و دارهم، ليدل ذلك على أنه الرئيس المقدّم، و الإمام الأعظم (صلّى اللّه عليه و سلم)».
أبو شامة: «هو بيت المقدس الذي عمره نبي اللّه سليمان (صلّى اللّه عليه و سلم) بأمر اللّه عزّ و جلّ، و ما زال مكرّما محترما، و هو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشدّ الرّحال شرعا إلا إليها، أي لا تقصد بالزيارة و التعظيم من جهة أمر الشارع إلا هذه الثلاثة. و كان أبعد مسجد عن أهل مكة أو من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و الأقصى أفعل من القصيّ و القاصي هو البعيد».
ابن أبي جمرة- بفتح الجيم و بالراء- (رحمه اللّه): «و الحكمة في إسرائه (صلّى اللّه عليه و سلم) أولا إلى بيت المقدس، لإظهار الحق على من عاند، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء، لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلا إلى البيان و الإيضاح. فلما ذكر أنه أسرى به إلى بيت المقدس سألوه عن أشياء من بيت المقدس كانوا رأوها و علموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك. فلما أخبرهم بها
[١] في أ: كانت بعد وراءه