سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٨ - الباب الأول في أخذ اللّه سبحانه و تعالى العهد عليهم في كتبهم أن يؤمنوا بمحمد (صلّى اللّه عليه و سلم)، إذا جاءهم، و اعتراف جماعة منهم بنبوّته، ثم كفر كثير منهم بغيا و عنادا
يهود، و هما من بني النّضير، فجلس إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و سمع منه، ثم رجع إلى قومه، و كان فيهم مطاعا. فقال: أتيت من عند رجل و اللّه لا أزال له عدوا. فقال له أخوه أبو ياسر:
يا ابن أم أطعني في هذا الأمر و اعصني فيما شئت بعد لأمهلك. فقال: و اللّه لا أطيعك.
فاستحوذ عليه الشيطان، و تبعه قومه على رأيه».
و روى عبد اللّه بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن جابر بن سمرة رضي اللّه عنه، أنه قد جاء جرمقانيّ [١] إلى أصحاب محمد- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: أين صاحبكم هذا الذي يزعم أنه نبيّ، لئن سألته لأعلمني نبيّ هو أو غير نبي. ثم قال الجرمقانيّ: «هذا و اللّه الذي جاء به موسى»، الجرمقانيّ بجيم مفتوحة فراء ساكنة فميم مفتوحة فقاف فألف فنون، منسوب إلى الجرامقة.
قال في الصحاح: قوم بالموصل أصلهم من العجم، و قال غيره: و جرامقة الشام أنباطها.
و روى البيهقي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن حبرا من أحبار اليهود دخل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فواقفه يقرأ سورة يوسف فقال: «يا محمد من علّمكها»؟ قال: «اللّه عز و جل علّمنيها»، فعجب الحبر لما سمع منه. فرجع إلى اليهود فقال: «إن محمدا ليقرأ القرآن، كما أنزل في التوراة».
فانطلق جماعة منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة، و نظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فجعلوا يستمعون إلى قراءته لسورة يوسف، فتعجبوا منه و أسلموا عند ذلك [٢].
و ذكر محمد بن عمر الأسلمي أن النّعمان السّبئيّ و كان من أحبار يهود اليمن فلما سمعوا برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قدم عليه فسأله عن أشياء، ثم قال له: «إن أبي كان يختم على سفر و يقول: «لا تقرأه على يهود حتى تسمع بنبيّ قد خرج بيثرب، فإذا سمعت به فافتحه». قال النعمان: «فلما سمعت به فتحت السّفر فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة، و إذا فيه ما تحلّ و ما تحرّم، و إذا فيه أنك آخر الأنبياء، و أمّتك آخر الأمم، و اسمك أحمد، و أمّتك قربانهم دماؤهم، و أناجيلهم صدورهم، لا يحضرون قتالا إلا و جبريل معهم، و يتحنّن اللّه تعالى عليهم كتحنّن الطّير على أفراخه، ثم قال لي: إذا سمعت به فاخرج إليه و صدّقه».
و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يحبّ أن يسمع أصحابه حديثه. فأتاه يوما فقال: «يا نعمان حدّثنا»، فابتدأ الحديث من أوّله، فرأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يبتسم، ثم قال: «أشهد أني رسول اللّه».
و يقال إن النعمان هذا هو الذي قتله الأسود العنسيّ الكذّاب و قطّعه عضوا عضوا، و النعمان يقول: «أشهد ألا إله إلا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه، و أنك كذّاب مفتر على اللّه عز و جل». ثم حرّقه بالنار، و الآثار في هذا كثيرة لا تحصى.
[١] ذكرت هذه الكلمة بضم الجيم و الميم و هو على خلاف ضبط المصنف. انظر اللسان ١/ ٦٠٧.
[٢] ذكره السيوطي في الدر ٤/ ٢ و عزاه للبيهقي في الدلائل.