سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥ - الثالث في الكلام على القسم الواقع هنا
باللّه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، بِما عَهِدَ عِنْدَكَ [الأعراف: ١٣٤].
قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [المائدة: ١١٦].
ابن القيم: «اعلم أن اللّه سبحانه و تعالى يقسم بأمور على أمور و إنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته و آياته المستلزمة لذاته و صفاته. و أقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته، فالقسم إما على جملة خبرية و هو الغالب كقوله تعالى، فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ [الذاريات: ٢٣] و إما على جملة طلبية كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه، فيكون من باب الخبر، و قد يراد به تحقيق القسم فالمقسم عليه يراد بالقسم توكيده و تحقيقه، فلا بدّ أن يكون مما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة و الخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور المشهورة الظاهرة كالشمس و القمر و الليل و النهار و السماء و الأرض، فهذه يقسم بها و لا يقسم عليها. و أما ما أقسم عليه الرّبّ فهو من آياته، فيجوز أن يكون مقسما به و لا ينعكس».
الإمام الرازي (رحمه اللّه تعالى): «أقسم تعالى في بعض السور بمجموع كقوله تعالى:
وَ الذَّارِياتِ، و في بعضها بإفراد كقوله وَ الطُّورِ، و لم يقل و الأطوار و البحار، و الكلمة فيه أن أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات. و الريح الواحدة ليست بثابتة مستمرة حيث يقع القسم عليها، بل هي متبدّلة بأفرادها، مستمرة بأنواعها، و المقصود منها لا يحصل إلا بالتبدّل و التغيّر، فقال: وَ الذَّارِياتِ إشارة إلى النوع المستمر لا إلى الفرد غير المستقر. و أما الجبل فهو ثابت غير متغيّر عادة، فالواحد من الجبال قائم زمانا و دهرا فأقسم في ذلك بالواحد.
و كذلك قوله: «وَ النَّجْمِ»، و لو قال: و الريح، لما علم المقسم به وفي الطور علم. و السّور التي افتتاحها القسم بالأسماء دون الحروف، كان القسم فيها لإثبات أحد الأصول الثلاثة و هي:
الوحدانية و الرسالة و الحشر و هي التي يتم بها الإيمان.
ثم إنه تعالى لم يقسم لإثبات الوحدانية إلا في سورة واحدة من تلك السور و هي:
الصّافَّات، حيث قال تعالى فيها: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ [الصافات: ٤]، و ذلك لأنهم و إن كانوا يقولون: أجعل الآلهة إلها واحدا، على سبيل الإنكار فقد كانوا يبالغون في الشرك، لكنهم في تضاعيف أقوالهم و تصاريف أحوالهم كانوا يصرّحون بالتوحيد، و كانوا يقولون: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ [الزمر: ٣] و قال تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت: ٦١].
فلم يبالغوا في الحقيقة و الإنكار المطلوب الأوّل، فاكتفي بالبرهان و لم يكثر من