سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤ - الثالث في الكلام على القسم الواقع هنا
بأن اللّه ذكر القسم لكمال الحجة و تأكيدها و ذلك أن الحكم يفصل باثنين إما بالشهادة و إما بالقسم، فذكر تعالى في كتابه النوعين حتى لا يبقى لهم حجّة فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨] و قال: قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ [يونس:
٥٣] و عن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ [الذاريات: ٢٢] فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ [الذاريات: ٢٣]، صاح و قال: من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين؟ و لا يكون القسم إلا باسم معظّم، و قد أقسم اللّه تعالى بنفسه، في القرآن في سبعة مواضع، بقوله: قُلْ إِي وَ رَبِّي [يونس: ٥٣]، قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَ [التغابن: ٧]، فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ [مريم ٦٨]، فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٩٢]، فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [النساء: ٦٥]، فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ [المعارج: ٤٠]، و الباقي كله قسم بمخلوقاته. فإن قيل: كيف أقسم بالخلق و قد ورد النهي عن القسم بغير اللّه تعالى؟ قلنا أجيب عنه بأوجه: الأول أنه على حذف مضاف أي و رب النّجم. و كذا الباقي. الثاني: أن العرب كانت تعظّم هذه الأشياء و تقسم بها فنزل القرآن على ما يعرفونه. الثالث: أن الأقسام إنما تكون بما يعظّمه المقسم و يجلّه و هو فوقه. و اللّه سبحانه و تعالى ليس فوقه شيء، فأقسم تارة بنفسه و تارة بموضوعاته لأنها تدل على بادئ و صانع.
ابن أبي الإصبع [١] (رحمه اللّه تعالى) في كتابه أسرار الفواتح: «القسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع لأن ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل إذ يستحيل وجود مفعول بغير فاعل.
و روى ابن حاتم عن الحسن قال: «إن اللّه تعالى يقسم بما شاء من خلقه و ليس لأحد أن يقسم إلا باللّه تعالى ... و القسم إما ظاهر و إما مضمر و هو قسمان: قسم دلّت عليه اللام نحو لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ [آل عمران: ١٨٦] و قسم دلّ عليه المعنى نحو: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] تقديره: و اللّه ... و أكثر الأقسام في القرآن المحذوفة الفعل لا تكون إلا بالواو، فإذا ذكرت الباء أتي بالفعل كقوله تعالى: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ [الأنعام: ١٠٩] يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ [النساء: ٦٢] و لا تجد الباء مع حذف الفعل، و من ثم أخطأ من جعل قسما
[١] حرثان بن الحارث بن محرث بن ثعلبة، من عدوان، ينتهي نسبه إلى مضر: شاعر حكيم شجاع جاهلي. لقب بذي الإصبع لأن حية نهشت إصبع رجله فقطعها، و يقال: كانت له إصبع زائدة. و عاش طويلا حتى عدّ في المعمرين. له حروب و وقائع و أخبار. و شعره مليء بالحكمة و العظة و الفخر، قليل الغزل و المديح، و هو صاحب القصيدة المشهورة التي يقول في أولها:
«أأسيد إن مالا ملكت* * * فسر به سيرا جميلا»
انظر الأعلام ٢/ ١٧٣.