سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٣٠ - التنبيه التاسع و الأربعون
المناجاة تفرّقوا على هارون و تحزّبوا عليه و داروا حول قتله و نقضوا العهد و أخلفوا الموعد و استضعفوا جانبه كما حكى اللّه تعالى ذلك عنهم و كانت الجناية العظمى التي صدرت منهم عبادة العجل فلم يقبل اللّه تعالى منهم التوبة إلا بالقتل فقتل في ساعة واحدة سبعون ألفا كان نظير ذلك في حقه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما لقيه في السنة الخامسة من الهجرة من يهود قريظة و النضير و قينقاع، فإنهم نقضوا العهد و حزّبوا الأحزاب و جمعوها و حشدوا و حشروا و أظهروا عداوة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أرادوا قتله. و ذهب إليهم قبل الوقعة بزمن يسير يستعينهم في دية قتيلين فأظهروا إكرامه و أجلسوه تحت جدار ثم تواعدوا أن يلقوا عليه رحى، فنزل جبريل فأخبره بمكرهم الذي همّوا به. فمن حينئذ عزم على حربهم و قتلهم، و فعل اللّه تعالى ذلك، و قتل قريظة بتحكيمهم سعد بن معاذ، فقتلوا شرّ قتلة و حاق المكر السّيء بأهله. و نظير استضعاف اليهود لهارون استضعافهم المسلمين في غزوة الخندق كما سيأتي بسط ذلك.
و لقاؤه في السماء السادسة لموسى يؤذن بحالة تشبه حالة موسى حين أمر بغزو الشام، فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها و أدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد إهلاك عدوهم، و كذلك غزا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تبوك من أرض الشام و ظهر على صاحب دومة حتى صالحه على الجزية بعد أن أتي به أسيرا، و افتتح مكة و دخل أصحابه البلد الذي خرجوا منه.
و قال ابن دحية: «يؤذن لقاؤه في السادسة بمعالجة قومه فإن موسى ابتلي بمعالجة بني إسرائيل و الصبر على أذاهم، و ما عالجه المصطفى في السنة السادسة لم يعالج قبله و لا و بعده مثله، ففي هذه السنة افتتح خيبر و فدك و جميع حصون اليهود و كتب اللّه عليهم الجلاء و ضربهم بسوط البلاء و عالج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في هذه السنة كما عالج موسى من قومه، أراد أن يقيم الشريعة في الأرض المقدسة و حمل قومه على ذلك فتقاعدوا عنه و قالوا: إن فيها قوما جبّارين و إنا لن ندخلها أبدا حتى يخرجوا منها. و في الآخر سجّلوا بالقنوط فقالوا: إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فغضب اللّه عليهم و حال بينهم و بينها، و أوقعهم في التيه. و كذلك أراد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في السنة السادسة أن يدخل بمن معه مكة يقيم بها شريعة اللّه و سنّة إبراهيم، فصدّوه فلم يدخلها في هذا العام، فكان لقاؤه لموسى تنبيها على التّأسي به و جميل الأثر في السنة القابلة.
ثم لقاؤه في السماء السابعة لإبراهيم (عليه السلام) لحكمتين: إحداهما أنه رآه عند البيت المعمور مسندا ظهره إليه. و البيت المعمور حيال الكعبة و إليه تحج الملائكة، كما أن إبراهيم هو الذي بنى الكعبة و أذّن في الناس بالحجّ إليها و الحكمة الثانية أن آخر أحوال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حجه إلى البيت الحرام و حج معه في ذلك العام نحو من سبعين ألفا [من المسلمين]. و رؤية إبراهيم عند أهل التأويل تؤذن بالحج لأنه الداعي إليه و الرافع لقواعد [الكعبة المحجوجة].