سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٣٢ - التنبيه الحادي و الخمسون
يكون (صلّى اللّه عليه و سلم) رآهما من ذلك الموضع كما يقال رأيت الهلال من منزلي من الطاق و المراد من موضع الطاق، الوجه الثاني: أن يكون مثّل له صورتهما في عرض الحائط، و القدرة صالحة لكليهما. الثاني: أن يكون (صلّى اللّه عليه و سلم) عاين أرواحهم هناك في صورهم. الثالث: أن يكون اللّه عز و جل لما أراد الإسراء بنبينا رفعهم من قبورهم لتلك المواضع إكراما لنبيه (عليه السلام) و تعظيما له حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من الأنس و البشارة و غير ذلك مما لم نشر إليه و لا نعلمه نحن، و إظهارا له (عليه الصلاة و السلام) القدرة التي لا يغلبها شيء و لا تعجز عن شيء و كل هذه الأوجه محتملة و لا ترجيح لأحدها على الآخر لأن القدرة صالحة لكلها.
و قال ابن القيّم في كتاب الروح «الأرواح قسمان: أرواح معذّبة و أرواح منعّمة، فالمعذّبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور و التلاقي. و الأرواح المنعّمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى و تتزاور و تتذاكر ما كان منها في الدنيا و ما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح معها رفيقها الذي هو على مثل عملها. و روح نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) في الرفيق الأعلى. قال تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] و هذه المعيّة ثابتة في الدنيا و في دار البرزخ و في دار الجزاء و المرء مع من أحبّ.
ثم ذكر حديث أبي هريرة: «لما أسري برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لقي إبراهيم و موسى و عيسى فتذاكروا أمر الساعة». الحديث. قال: فهذا نصّ في تذاكر الأرواح العلم، و قد أخبر اللّه تعالى عن الشهداء أنهم أحياء عند ربّهم يرزقون و أنهم يستبشرون بنعمة من اللّه و فضل هذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه: أحدها أنهم أحياء عند اللّه و إذا كانوا أحياء عند اللّه فهم يتلاقون.
الثاني: أنهم إنما يستبشرون بإخوانهم لقدومهم عليهم و لقائهم لهم. الثالث: أن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشّر بعضهم بعضا مثل يتباشرون و قد تواترت المرائي بذلك فذكر عدة منامات. ثم قال: و قد جاءت سنّة صريحة بتلاقي الأرواح و تعارفها. قال ابن أبي الدنيا:
حدثني محمد بن عبد اللّه بن بزيغ أنبأنا الفضيل بن سليمان النميري حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن أبي أنيسة عن جدّه قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور- بمهملات- وجدت أم بشر عليه و جدا شديدا، فقالت: يا رسول اللّه إنه لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة، فهل يتعارف الموتى فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «نعم و الذي نفسي بيده يا أم بشر، إنهم ليتعارفون كما يتعارف الطير في رؤوس الشجر».
و ذكر الحديث و آثارا تؤيد ذلك، ثم قال: «و الروح ذات قائمة بنفسها تصعد و تنزل و تتصل و تنفصل و تخرج و تذهب و تجيء، و تتحرك و تسكن، و على هذا أكثر من مائة دليل قد ذكرناها في كتابنا: معرفة الروح و النفس، و بيّنّا بطلان ما خالف هذا القول من وجوه كثيرة، و أن من قال