سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٢ - الباب الثاني في بناء مسجده الأعظم و بعض ما وقع في ذلك من الآيات
و تملّك في ثامن عشر ذي القعدة من سنة سبع [و خمسين و ستمائة]. و في شهر رمضان من سنة ثمان أعزّ اللّه تعالى الإسلام على يده بوقعه عين جالوت. ثم قتل بعد الموقعة بشهر و هو داخل إلى القاهرة.
و كان العمل بالمسجد الشريف في تلك السنة من باب السّلام إلى باب الرحمة [المعروف قديما بباب عاتكة] و من باب جبريل إلى باب النساء. و تولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي البندقداري، فحصل منه اهتمام بأمر المسجد فجهّز الأخشاب و الحديد و الرصاص، و من الصّنّاع ثلاثة و خمسين صانعا، و ما يمونهم، و أنفق عليهم قبل سفرهم و أرسل معهم الأمير جمال الدين محسن الصالحي و غيره، ثم صار يمدّهم بما يحتاجون إليه من الآلات و النفقات. فعمل في أيامه باقي سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف إلا السقف الشمالي فإنه جعل سقفا واحدا.
و لم يزل المسجد على ذلك حتى جدّد السّقف الشرقي و السّقف الغربي اللذان عن يمين صحن المسجد و شماله و ذلك في سنتي خمس و ست و سبعمائة في أوائل دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، فجعلا سقفا واحدا شبه السقف الشّمالي [أي سقف الدّكاك]. ثم في سنة تسع و عشرين و سبعمائة أمر الملك الناصر محمد المذكور بزيادة رواقين [في المسقّف القبلي] متصلين بمؤخّره فاتسع مسقّفه بهما و عمّ نفعهما. ثم حصل في هذين الرواقين خلل فجدّدهما الملك الأشرف برسباي سنة إحدى و ثلاثين و ثمانمائة من مال جوالي قبرص. و جدّد الأشرف أيضا شيئا من السقف الشامي [مما يلي المنارة السنجارية].
ثم حصل خلل في سقف الروضة الشريفة و غيرها من سقف المسجد في دولة الظاهر جقمق، فجدّد ذلك في سنة ثلاث و خمسين و ثمانمائة. ثم جدّد السلطان الملك الأشرف قايتباي كثيرا من سقف المسجد، ثم احترق المسجد النبوي ثانيا في الثلث الأخير من ليلة الثالث و العشرين من شهر رمضان، سنة ست و ثمانين و ثمانمائة، و ذلك أن رئيس المؤذّنين و صدر المدرسين شمس الدين محمد بن الخطيب قام يهلّل حينئذ بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرّيّسيّة، و صعد المؤذّنون بقيّة المنائر و قد تراكم الغيم و حصل رعد قاصف، فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة المذكورة فسقط شرقيّ المسجد لهب كالنار و انشقّ رأس المئذنة، و توفي الرّيّس لحينه صعقا. و أصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الأعلى بين المنارة الرئسية و قبة الحجرة النبوية فثقبه ثقبا كالترس فعلقت النار فيه و في السقف الأشفل، ففتحت أبواب المسجد و نودي بأن الحريق في المسجد.
فاجتمع أمير المدينة قسطل بن زهير الجمّازي و أهلها بالمسجد الشريف، و صعد أهل