سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٧ - التنبيه الرابع و التسعون
لها و يسأل التخفيف عنها فلقوله- و اللّه أعلم- حين قضي إليه الأمر بجانب القربى و رأى صفات أمة محمد (عليه السلام) في الألواح و جعل يقول: إني أجد في الألواح أمّة صفتهم كذا:
اللهم اجعلهم أمتي. فيقال له: تلك أمة محمد. قال: اللهم اجعلني من أمة محمد، و هو حديث مشهور في التفاسير. فكان إشفاقه عليهم و اعتناؤه بأمرهم يعتني بالقوم من هو منهم لقوله: اللهم اجعلني منهم».
التنبيه الحادي و التسعون:
في قول موسى: «قد عالجت الناس قبلك» إلى آخره دليل على أن علم التجربة زائدة على العلوم، و لا يقدر على تحصيله بكثرة العلوم و لا يكتسب إلا بها، أعني التجربة، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أعلم الناس و أفضلهم سيّما و هو حديث عهد بالكلام مع ربه تبارك و تعالى و ورد إلى موضع لم يطأه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل، ثم مع هذا الفضل العظيم قال له موسى (عليه السلام): «أنا أعلم بالناس منك»، و ذكر له العلّة التي لأجلها كان أعلم منه بقوله: «عالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة». فأخبره أنه أعلم منه في هذا العلم الخاص الذي لا يوجد و لا يدرك إلا بالمباشرة و هي التجربة.
التنبيه الثاني و التسعون:
و فيه دليل على جواز الحكم بما أجرى اللّه تعالى بحكمته من ارتباط العوائد لأن موسى (عليه السلام) حكم على هذه الأمة بأنها لا تطيق، و ذلك سبب ما أخبر به و هو علاج بني إسرائيل، و من تقدّم أقوى و أجلد ممّن يأتي بعد، كما أخبر تعالى بقوله:
كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الروم: ٩] فرأى موسى أن ما لم يحمله القويّ فمن باب أولى ألا يحمله الضعيف فهو بعد محكم بأثر الحكمة في ارتباط العادة، مع أن القدرة صالحة لأن يحمل الضعيف ما لا يحمل القويّ. و قد ورد أن الصلاة التي كلّف بها بنو إسرائيل ركعتان بالغداة و ركعتان بالعشيّ و مع هذا لم يقوموا بذلك.
التنبيه الثالث و التسعون:
و في سؤال موسى طلب التخفيف عن هذه الأمة دليل على أن بكاءه أوّلا حين صعود النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يكن إلا للوجه الذي أبديناه لا لغيره، لأنه لو كان لغير ذلك لبكى حين رجوع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أو سكت، و لكنه قام في الخدمة و النصيحة للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلما أن كان بكاؤه أوّلا للوجه الذي ذكرناه و لم يصادف ما أشرنا إليه و إنما كانت هذه النّفحة من النّفحات الخاصّة بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، تعرّض أيضا لهذه الأمة بطلب التخفيف، فصادف اعتراض هذه النفحة في موضعها لأنها خاصة بهذه الأمة. و تكلم هو (صلّى اللّه عليه و سلم) في حقّها فأشعف فيما أراد و حقّق اللّه عز و جل دعاءه إذ ذاك و ردّ الخمسين إلى خمس، و زاد بالإفضال فجعل الحسنة عشرا في الثواب عليها، فأزال اللّه تعالى عن الأمة فرض تلك الصلوات و أبقى لهم ثوابها تفضلا منه و إحسانا.
التنبيه الرابع و التسعون:
قال ابن أبي جمرة: «في الحديث دليل للصوفية حيث