سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٧ - التنبيه العاشر و المائة
النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من ربه و قربه منه إبانة لعظيم منزلته و تشريف رتبته اعتناء بشأنه و إظهارا لما لم يؤته أحدا غيره و إشراق أنوار معرفته و مشاهدة أسرار غيبه و قدرته، كما قال جعفر بن محمد: الدّنوّ من اللّه تعالى لا حدّ له ينتهي إليه مطمح فهم أو مطرح و هم، و من العباد بالحدود الغائيّة المنتهية إلى غاية».
و قال أيضا: «انقطعت الكيفية عن الدّنوّ، ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه و دنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة و الإيمان فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه إليه و أزال من قلبه الشك و الارتياب أي الذي عرا خاطره: هل يغشى حضرة هذا القرب و ينال مواهبه من إنافة و إكرام و شرف و إنعام فأنجح اللّه أمنيته لا الشك في ذلك، إذ كان أثبت الناس معرفة و إيمانا و أسكنهم جنانا و أملكهم طمأنينة و سكونا، و إنما الدّنو و القرب من اللّه تعالى أو إليه كناية عن جزيل فوائده إليه و جميل عوائده عليه و تأنيس لاستيحاشه بانقطاع الأصوات عنه، و بسط بالمكالمة و إكرام بشرائف منيفة، يتأوّل في دنوّه تعالى منه ما يتأوّل به في
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «ينزل ربّنا تبارك و تعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر»
[١]، على أحد الوجوه من أن نزوله تعالى إنما هو نزول إفضال و إجمال و قبول توبة و إحسان بمعرفة و إشفاق».
و قال الواسطي: «من توهّم أنه بنفسه دنا فقد جعل ثمّ مسافة و لا مسافة لاستحالتها بل كلما دنا بنفسه من الحقّ تدلّى بعدا، يعني كلما قرب منه نزل بساحة البعد كناية عن نفيهما جميعا أو عن إدراك حقيقته إذ لا يدركها أحد، و لا دنوّ للحقّ و لا بعد، لاستحالتهما. و أما قوله تعالى: «فإني قريب» فتمثيل لكمال علمه و إجابة لتعاليه عن القرب مكانا. و يتأوّل في الدنوّ ما يتأوّل في
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) في حديث رواه البخاري حكاية عن ربّه تبارك و تعالى: «من تقرّب مني شبرا تقرّبت منه ذراعا»،
و هو تمثيل يقرّب المعنى للأفهام، أي من تقرّب إلى طاعتي جازيته بأضعاف ما تقرّب به إليّ. «و من أتاني يمشي أتيته هرولة»، أي سبقته بجزائه، فهو أقرب بالإجابة و القبول، و إتيان بإحسان، و تعجيل المأمول، ثوابا مضاعفا على حسب ما تقرّب به، و قد سبق به طريق المشاكلة فسمّاه تقرّبا».
التاسع: تصريحه بأن امتناعه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الرجوع إلى سؤال ربّه تبارك و تعالى في طلب التخفيف كان عند الخامسة، و مقتضى رواية ثابت أنه كان بعد السابعة. العاشر: قوله «فعلا به الجبّار»، و هو مكانه تقدم ما فيه. الحادي عشر: رجوعه بعد الخمس، و المشهور في الأحاديث أن موسى أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى خمس فلم يرجع. الثاني عشر:
زيادة ذكر «التّور» بالتاء المثنّاة في الطّست، فإنه قال: «أتي بطست من ذهب فيه تور من
[١] أخرجه البخاري ٣/ ٢٩ (١١٤٥) و مسلم ١/ ٥٢١ (١٦٨- ٧٥٨).