سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - تنبيهات
عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب و هي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد».
و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه أن أعرابيا بايع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأصاب الأعرابيّ وعك فسأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: يا محمد أقلني بيعتي. فأبى. ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي. فأبى.
فخرج الأعرابي. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها و ينصع طيبها» [١] رواه الشيخان.
و عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «إنها طيبة- يعني المدينة- و إنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الفضّة» [٢]، رواه مسلم.
و المراد هنا الإقالة من الإسلام و قيل من الهجرة [كأنه كان قد بايع على هجرة الإقامة]. و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نهى عن آطام المدينة أن تهدم.
و روى البزار بسند حسن عن عمر رضي اللّه عنه قال: غلا السعر بالمدينة فاشتد الجهد، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «اصبروا و أبشروا فإني قد باركت على صاعكم و مدّكم، و كلوا و لا تنفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين و طعام الاثنين يكفي الأربعة و طعام الأربعة يكفي الخمسة و الستة، و إن البركة في الجماعة، فمن صبر على لأوائها و شدتها كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة، و من خرج رغبة عنها أبدل اللّه به من هو خير منه فيها، و من أرادها بسوء أذابه اللّه كما يذوب الملح في الماء» [٣].
و روى البخاري عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «إنها أي المدينة طيبة تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة» [٤].
تنبيهات
الأول: قال القاضي (رحمه اللّه)». «سئلت قديما عن معنى
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «كنت شهيدا أو شفيعا»،
و لم خص ساكن المدينة بالشفاعة هنا مع عموم شفاعته و ادّخاره إياها لأمته؟ و أجيب بأن «أو» ليست هنا للشك، خلافا لمن ذهب إليه، إذ قد رواه جابر، و أبو هريرة، و أبو سعيد، و سعد بن أبي وقاص، و ابن عمر، و صفية بنت أبي عبيد، و أسماء بنت عميس رضي اللّه عنهم بهذا اللفظ، و يبعد اتفاق الكل و اتفاق رواياتهم على الشك، و وقوعه بصيغة واحدة، بل الظاهر أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال كذلك هكذا، فإما أن يكون هو أعلم بهذه الجملة هكذا، و إما أن تكون «أو» للتقسيم، و يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) شفيعا لبعض أهل المدينة و شهيدا لبعضهم الآخر، إما شهيدا
[١] أخرجه البخاري ٩/ ٩٨ و مسلم في كتاب الحج (٤٨٩) و الترمذي (٣٩٢٠) و النسائي ٧/ ١٥١.
[٢] أخرجه مسلم في كتاب الحج (٤٩٠).
[٣] ذكره الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٠٨ و عزاه للبزار، و قال: و رجاله رجال الصحيح و ذكره المتقي الهندي في الكنز (٣٨١٢٣).
[٤] أخرجه البخاري ٦/ ٩٣ (٤٥٨٩).