سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٣٦ - التنبيه الثامن و الخمسون
الثامن، و قد غشى السدرة الجراد و الفراش و الغربان الذي هو جند من جند اللّه كما غشى مكة في الفتح جند اللّه و حزبه و غشيها أيضا أجناس من الخلق و ألوان من الأسود و الأحمر. و جاء اللفظان معا في الحديث، كما غشى سدرة المنتهى ألوان لا يعلمها إلا اللّه تعالى: فلما غشيت الألوان السّدرة حسنت إلى أن لا يحسن أحد أن ينعتها لفرط الحسن. كما أن ألوان الخلق لما غشيت مكة يوم الفتح حسنت حينئذ بالإيمان و بأهل القرآن حتى لا يحسن أحد أن يصف حالها حينئذ من عظم الشأن.
ثم كان ظهور الأنهار الأربعة حينئذ دليلا على أن تلك الأمة ستبلغها و يحقّقه أيضا
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «زويت لي الأرض مشارقها و مغاربها و سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها [١]».
التنبيه الخامس و الخمسون:
وقع في حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه عند مسلم أن السدرة في السماء السادسة و ظاهر حديث أنس رضي اللّه عنه أنها في السابعة، قال القرطبي:
«و هذا تعارض لا شك فيه». و حديث أنس قول الأكثرين و هو الذي يقتضيه وصفها بكونها التي ينتهي إليها علم كل نبيّ مرسل و كل ملك مقرّب، «و يترجح حديث أنس بأنه مرفوع و حديث ابن مسعود بأنه موقوف». قال الحافظ: «كذا قال و لم يعرج على الجمع بل جزم بالتعارض و لا يعارض قوله إنها في السادسة ما دلّت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل في السماء السابعة لأنه يحتمل على أن أصلها في السماء السادسة و أغصانها و فروعها في السابعة و ليس في السادسة منها إلا أصل ساقها، و اللّه أعلم.
التنبيه السادس و الخمسون:
قال ابن أبي جمرة: «و الأظهر أن شجرة المنتهى مفروشة بأرض بدليل قوله: «و نهران باطنان» و لا يطلق هذا اللفظ و ما أشبهه إلا على ما يفهم، و الباطن لا بد أن يكون سريانه تحت شيء، و حينئذ يطلق عليه اسم الباطن.
التنبيه السابع و الخمسون:
قال القاضي (رحمه اللّه): دلّ الحديث على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لكونه قال: «إن النيل و الفرات يخرجان من أصلها»، و هما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم فيه أن يكون أصل السدرة في الأرض. و تعقّبه النووي بأن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنّبع من الأرض، و الحاصل أن أصلهما من الجنة و هما يخرجان أولا من أصل السّدرة إلى أن يستقرا في الأرض ثم ينبعان.
التنبيه الثامن و الخمسون:
قال ابن أبي جمرة (رحمه اللّه):
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان و نهران ظاهران»،
هذا اللفظ يحتمل أن يكون على الحقيقة، و يحتمل أن
[١] أخرجه ابن ماجة (٣٩٥٢) و ذكره العراقي في تخريجه على الإحياء ٢/ ٣٨٧.