سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٦ - التنبيه العاشر و المائة
ثم قال الخطابي مشيرا إلى رفع الحديث من أصله «إن القصة بطولها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم يعزها إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و لا نقلها عنه و لا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي أنس، و أما شريك فإنه كثير التفرّد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة». قال الحافظ: «و ما نفاه من أن أنسا لم يسند هذه القصة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن تكون مرسل صحابي، فإما أن يكون تلقّاها عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أو عن صحابي تلقّاها عنه. و مثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي فيكون لها حكم الرفع. و لو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلا و هو خلاف عمل المحدّثين قاطبة فالتعليل بذلك مردود.
ثم قال الخطّابي: «إن الذي وقع في هذه الرواية من نسبة التّدلّي للجبار عزّ و جل مخالفة لعامة السلف و العلماء و أهل التفسير و من تقدم منهم و من تأخّر. و الذي قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: دنا جبريل من محمد فتدلّى أي تقرّب منه، و قيل هو على التقديم و التأخير أي تدلّى فدنا لأن التّدلّي سبب الدّنوّ. الثاني: تدلّى جبريل بعد الانصباب و الاندفاع حتى رآه متدلّيا كما رآه مرتفعا، و ذلك من آيات اللّه حيث أقدره على أن يتدلّى في الهواء من غير اعتماد على شيء و تمسّك بشيء. الثالث: دنا جبريل فتدلّى محمد ساجدا لربه شكرا على ما أعطاه من الزّلفى. و قد روى هذا الحديث عن أنس رضي اللّه عنه من غير طريق شريك فلم يذكر هذه لألفاظ الشنيعة، و ذلك مما يقويّ الظّنّ أنها صادرة من شريك».
قال الحافظ: «قد أخرج البيهقي من طريق الأموي في مغازيه عن محمد بن عمر بن أبي سلمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم:
١٣]، قال: «دنا منه ربه»، و هذا سند حسن و هو شاهد قوي لرواية شريك. ثم قال الخطّابي:
«و في هذا الحديث لفظة أخرى تفرّد بها شريك أيضا لم يذكرها غيره، و هي قوله: «فعلا به» يعني جبريل إلى الجبّار تعالى، فقال و هو مكانه: «ربّ خفّف عنّا». قال الخطّابي:
«و المكان لا ينسب إلى اللّه تعالى، إنما هو مكان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في مقامه الأول الذي قام فيه قبل هبوطه». قال الحافظ: «و هذا الأخير متعيّن و ليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى اللّه تعالى، و أما ما جزم به من مخالفته للسلف و الخلف فقد ذكرنا من وافقه». و قد نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: «دنا اللّه»، قال القرطبي: «و المعنى دنا أمره و حكمه، و أصل التدلّي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه». قال: «و قيل التدلي تدلّي الرفرف لمحمد حتى جلس عليه، ثم دنا محمد من ربه». و قد أزال العلماء إشكاله فقال القاضي: «إضافة الدنوّ و القرب هنا من اللّه تعالى أو إلى اللّه تعالى ليس بدنوّ مكان و قرب مدى ينتهي إليه و إنما دنوّ