سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٨ - الباب الرابع في هجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و ما وقع في ذلك من الآيات
الباب الرابع في هجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و ما وقع في ذلك من الآيات
قال اللّه تعالى: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء ٨٠]. روى الإمام أحمد و الترمذي و الحاكم و الضياء و صحّحوه عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بمكة فأمر بالهجرة من مكة و أنزل عليه وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء ٨٠] الهجرة إلى المدينة وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً: كتاب اللّه عز و جل، و فرائضه و حدوده.
و روى الحاكم و صحّحه عن قتادة في الآية قال: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني المدينة وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني مكة. و روى الزبير بن بكّار عن زيد بن أسلم في الآية قال:
جعل اللّه تعالى مدخل صدق المدينة و مخرج صدق مكة، و سلطانا نصيرا الأنصار.
قال ابن سعد: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما خرج من بيته أتى بيت أبي بكر بمكة فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو و أبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه».
و روى موسى بن عقبة و ابن إسحاق و الإمام أحمد و البخاري و ابن حبّان عن عائشة رضي اللّه عنها، و ابن إسحاق و الطبراني عن أختها أسماء رضي اللّه عنها أن أبا بكر رضي اللّه عنه استأذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الخروج قبل المدينة، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي». فقال أبو بكر:
و هل ترجو ذلك بأبي و أمي أنت؟ قال: «نعم».
فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ليصحبه و علف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر [١]، و هو الخبط [٢] أربعة أشهر.
[قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي اللّه عنها قالت:] «لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) طرفي النهار بكرة و عشيّة». قالت: «فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة [٣] قال قائل لأبي بكر: هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها». فقال أبو بكر: «فداء له أبي و أمي، و اللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر».
قالت: «فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فاستأذن فأذن له فدخل، فتأخّر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)». فقال أبو بكر: «يا رسول اللّه ما جاء بك إلا أمر حدث». فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
[١] السّمر: هو ضرب من شجر الطلح الواحدة سمرة، انتظر النهاية لابن الأثير ٢/ ٣٩٩.
[٢] الخبط، ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، و اسم الورق الساقط خبط بالتحريك، فعل بمعنى مفعول، و هو من علف الإبل. انظر النهاية لابن الأثير ٢/ ٧.
[٣] نحر الظهيرة: هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع، كأنها وصلت إلى النحر، و هو أعلى الصدر. انظر النهاية لابن الأثير ٥/ ٢٧.