سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٧ - تنبيهات
النوم محتاجا إلى الإزعاج، أكّد ذلك بالتكرير، فقال: «الصلاة خير من النوم». و لما كان للصبح أذانان كان التثويب ربما كان في الأول، فكان دعاء إلى قيام الليل الذي شرّع له ذلك الأذان، كما بيّن سرّه في بعض الروايات في قوله: «ليرجع قائمكم و ينبّه نائمكم». و ربما كان في الثاني، فكان دعاء إلى فرض الصبح، و هو بالأول أنسب، لأن الفرض له حاث يحثّ عليه، وداع ملحّ يدعو إليه، و هو الوجوب الذي من أخلّ به عوقب، و من جاوز حدّه ليم و عذّب.
«و لما تمّ الدّين بجملته، و كمل أصلا و فرعا، قولا و نية و عملا، برمّته، علّل الدّعاء إليه مرغّبا مرهّبا، بقوله، مذكّرا بما بدأ الأمر به، لاستحضار عظمته التي أظهر بها الدّين، و أذلّ بها المعتدين، بعد أن كانوا على ثقة من أنه لا غالب لهم، «اللّه أكبر»، ثم أكّد بمسيس الحاجة إلى ذلك في الترغيب و الترهيب، فقال: «اللّه أكبر». فلما تمّ الأمر، و جلا التشويق و الزّجر، لم تدع حاجة إلى تربيع التكبير هنا كما كان في الأول، فختم بما بدأ به من التوحيد إعلاما بأنه لا يقبل شيء من الدّين إلا به مقارنا له من ابتدائه إلى انتهائه، فقال: «لا إله إلا اللّه».
«و لما كان قد وصل إلى حد لا مزيد عليه، لم يحتج إلى تأكيد، حتى و لا بلفظ الشهادة إعلاما بأنه ليس وراء هذا إلا السيف لو توقّف عنه، أو ما عاند فيه. و لما كان من أجلّ ما يراد بالأذان- كما مضى- الإعلام بظهور الإسلام على جميع الأديان، و أنه قد أورق عوده، و زكا وجوده، و ثبت عموده، و عزّ أنصاره و جنوده، جاء على سبيل التعديد، و التقرير و التأكيد، من غير عاطف و لا لافت عن هذا المراد و لا صارف تنبيها على أن كلّ جملة منه ركن برأسه، مستقل بذلك بنفسه، معرّب عما هو المراد من الإظهار بالتّعداد.
«هذا ما شرحه اللّه تعالى لعباده من الأذان في حال النوم و اليقظة، في الليل و النهار، على وفاء لا مزيد عليه، كما صرّح به في
قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «اللهم ربّ هذه الدعوة التامّة، فمن زاد حرفا فما فوقه فقد أساء و تعدّى و ظلم».
و من الواضح البيّن أن المعنى في إجابة السامع لألفاظه بها الإيذان باعتقاده، و الإذعان لمراده، و أنه تخصيص الجواب في الدعاء إلى الصلاة و الفلاح، بالحوقلة، و المراد بها سؤال المعونة على تلك الأفعال الكرام بالتّبرّؤ من القدرة على شيء بغير تقدير اللّه، ردّا للأمر إلى أهله، و أخذا له من معدنه و أصله، و الإقامة فرادى، لأنه لما ثبت بالأذان أمر الوحدانية و الرسالة، و علم المدعوّ ما نسب إليه، صار الأمر غنيّا عن التأكيد، فلم يحتج إلى غير الإعلام بالقيام إلى ما قد دعي إليه، و أعلم بوقته، و أكّد التكبير بما ذكر في الأذان نوع تأكيد لما تقدّم من مزيد الاهتمام و الإقامة لإسراع من عنده بعض غفلة أو توان». انتهى.
الثالث: اختلف في السنة التي فيها شرع [الأذان]. قال الحافظ: «و الرّاجح أنه كان في السنة الأولى، و قيل: بل في الثانية».
الرابع: قول ابن عمر: فقال عمر: «أو لا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصلاة».
فقال