سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٣١ - التنبيه الحادي و الخمسون
قال ابن أبي جمرة: «و إنما كان إبراهيم في السماء السابعة لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بلقائه أنس لتوجهه بعده إلى عالم آخر، و أيضا فمنزلة الخليل تقتضي أرفع المنازل، و منزلة الحبيب أرفع من منزلته فلذلك ارتفع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى».
و قال ابن دحية: «مناسبة لقائه لإبراهيم (عليه السلام) في السماء السابعة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) اعتمر عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة، و دخل مكة و أصحابه ملبّين معتمرين محييا لسنّة إبراهيم و مقيما لرسمه الذي كانت الجاهلية أماتت ذكره و بدّلت أمره. و في بعض الطرق أنه رأى إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور في السماء السابعة، و ذلك- و اللّه أعلم- إشارة إلى أنه يطوف بالكعبة في السنة السابعة و هي أول دخلة دخل فيها مكة بعد الهجرة. و الكعبة في الأرض قبالة البيت المعمور. و في
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) في وصف البيت المعمور: «فإذا هو يدخله كل يوم سبعون/ ألفا لا يرجعون إليه إلى آخر الدهر إشارة إلى أنه إذا دخل البيت الحرام لا يرجع إليه لأنه لم يدخله بعد الهجرة إلا عام الفتح و لم يعاوده في حجة الوداع.
التنبيه الخمسون:
فإن قيل كيف أمّ الأنبياء في بيت المقدس و سلّم عليهم و عرفهم ثم سأل عنهم ثم يراهم تلك الليلة في السموات و يسأل عنهم جبريل؟ فإنه لو رآهم و عرفهم لما احتاج إلى سؤال جبريل عنهم. و الجواب أنه لما اجتمع بهم ببيت المقدس و أمّهم على الهيئة البشرية تحقق وجودهم في الأرض، ثم لما وصل إلى الملكوت العلوي لم يجدهم على تلك الحالة التي شاهدهم عليها، و إنما هم على صفات روحانية يشكّل اللّه تعالى لهم أشكالا لائقة بالملكوت العلوي تأنيسا لهم بأصلهم البشري و تكريما لهم و تعظيما للقدرة الإلهية حيث شاهدهم تلك الساعة في الأرض ثم رآهم في منازلهم في السماء، فلذلك سأل عنهم استثباتا لا تعجبا، فإنه عالم أن اللّه تعالى الذي أصعده إلى هذا المكان في لحظة قادر على نقلهم إلى السموات في أسرع من طرفة عين سبحانه و تعالى.
التنبيه الحادي و الخمسون:
استشكل رؤية الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم) في السموات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم في الأرض. و أجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أو أحضرت أجسادهم لملاقاة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) تلك الليلة تشريفا و تكريما و يؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عند البيهقي و غيره: «و بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء».
و قال ابن أبي جمرة: «رؤيته لهؤلاء الأنبياء تحتمل وجوها: الأول: أن يكون (عليه السلام) عاين كل واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها عن الموضع الذي عاينه فيه فيكون اللّه عز و جل قد أعطاه من القوة في البصر و البصيرة ما أدرك به ذلك. و يشهد لهذا الوجه
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «رأيت الجنة و النار في عرض الحائط».
و هو محتمل لوجهين أحدهما: أن