سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٣ - تنبيهات
النّجدة منهم بالمياه لإطفاء النار و قد التهبت سريعا في السّقفين، و أخذت في جهة الشمال و الغرب، فعجزوا عن إطفائها و كادت أن تدركهم فهربوا. و سقط بعضهم فهلك، و نجا بعضهم مع من حالت النار بينه و بين الأبواب إلى صحن المسجد. و جملة من مات بسبب ذلك بضع عشرة نفسا. و عظمت النار جدا حتى صارت كبحر لجّيّ من نار، و لها زفير و شهيق و ألسن تصعد في الجو، و صارت ترمي بشرر كالقصر و يسقط بالبيوت المجاورة و مع ذلك فلا تؤثر فيها. و حمل بعض خزائن الكتب و الربعات و المصاحف غير ما بادروا بإخراجه، و ذلك كله في نحو عشرة أدراج فأصابها الشرر فأحرقها. و أخبر أمير المدينة قسطل الجمّازي أن شخصا من العرب الصادقين رأى في المنام قبل ذلك بليلة أن السماء فيها جراد منتشر ثم أعقبته نار عظيمة،
فأخذ النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- النار و قال: «أمسكها عن أمتي».
قال السيد: و أخبرني جماعة أنهم شاهدوا أشكال طيور بيض تحوم حول النار كالذي يكفها عن بيوت الجيران، مع هرب كثير منهم لما رأوا تساقط الشّرر. و خرج بعضهم من باب المدينة لعظم ما شاهدوه من الهول و ظنوا أنهم قد أحيط بهم، ثم خمدت النار ثاني يوم و أرسلوا للسلطان قايتباي يعلمونه بذلك فاهتم بذلك (رحمه اللّه تعالى) الذي أهّله لهذا الأمر و عمر المسجد الشريف و الحجرة الشريفة العمارة المحكمة الموجودة في زماننا.
تنبيهات
الأول: اختلف في اسم أبي اليتيمين اللذين كان المسجد لهما فقال [موسى بن عقبة:
هما ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو]، و قال الزهري و ابن إسحاق هما ابنا عمرو. قال في العيون: إنه الأشهر. و حاول السهيلي التوفيق بين القولين فقال: «هما ابنا رافع بن عمرو»، فعلى هذا نسبا إلى جدّهما. قال الحافظ: «و الأرجح هو قول الزهري و ابن إسحاق».
الثاني: ذكر ابن إسحاق أنهما كانا في حجر معاذ بن عفراء، و قال أبو ذرّ الهرويّ أحد رواة الصحيح: أسعد بن زرارة بإثبات الألف في أسعد. قال الحافظ و السيد: «و هو الوجه».
و قال ابن زبالة و يحيى إنهما كانا في حجر أبي أيوب و قد يجمع باشتراك من ذكر في كونهما في حجورهم، و بانتقال ذلك بعد أسعد بن زرارة إلى من ذكر واحدا بعد واحد، سيما و قد روى محمد بن الحسن المخزومي عن ابن أبي فديك قال: «سمعت بعض أهل العلم يقولون إن أسعد توفي قبل أن يبني رسول اللّه المسجد، فباعه رسول اللّه من سهل و سهيل».
الثالث:
في الصحيح أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)- أرسل إلى ملأ بني النّجّار بسب موضع المسجد، فقال: «يا بني النّجار ثامنوني بحائطكم هذا»، فقالوا: «و اللّه لا نطلب ثمنه إلا من اللّه».
و في رواية: «فدعا بالغلامين فساومهما بالمربد يتخذه مسجدا». و وقع في رواية ابن