سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٧ - الباب الأول في أخذ اللّه سبحانه و تعالى العهد عليهم في كتبهم أن يؤمنوا بمحمد (صلّى اللّه عليه و سلم)، إذا جاءهم، و اعتراف جماعة منهم بنبوّته، ثم كفر كثير منهم بغيا و عنادا
و كذا» كما كتبوه، و غيّروا نعت هذا كما وصف، فلبّسوا بذلك على الناس. و إنما فعلوا ذلك لأن الأحبار كانت لهم مأكلة يطعمهم إياها السّفلة لقيامهم على التوراة، فخافوا أن يؤمن السّفلة فتقطع تلك المأكلة.
و روى البيهقي عن ابن عباس و ابن مسعود و ناس من الصحابة رضي اللّه عنهم قالوا:
«كانت العرب تمرّ باليهود فيؤذونهم، و كانوا يجدون محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) في التوراة فيسألون اللّه تعالى أن يبعثه فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل».
و روى ابن إسحاق و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، و أبو نعيم عنه من طرق، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و أبو نعيم عن قتادة: أن يهود أهل المدينة قبل قدوم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، كانوا إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد و غطفان و جهينة و عذرة يستفتحون يدعون اللّه على الذين كفروا و يقولون: «اللهمّ إنا نستنصر بحقّ محمد النبي الأمّي إلا نصرتنا عليهم»، فينصرون. و كانوا يقولون: «اللهمّ ابعث النبيّ الأمّيّ الذي نجده في التوراة الذي وعدتنا أنك باعثه في آخر الزمان». فلما جاءهم ما عرفوا، كفروا به حسدا للعرب، و هم يعلمون أنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فقال لهم معاذ بن جبل، و بشر بن البراء أخو بني سلمة: يا معشر يهود اتّقوا اللّه و أسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد و نحن أهل شرك و تخبروننا أنه مبعوث و تصفونه لنا بصفته.
و روى ابن جرير، و ابن المنذر عن ابن جريج عن بعض من أسلم من أهل الكتاب، قال:
«و اللّه لنحن أعرف برسول اللّه منا بأبنائنا من أجل الصفة و النّعت الذي نجده في كتابنا، أما أبناؤنا فلا ندري ما أحدث النساء» و روى ابن إسحاق، و البيهقي، و أبو نعيم عن أم المؤمنين صفيّة بنت حييّ رضي اللّه عنها أنها قالت: «لم يكن أحد من ولد أبي و عمّي أبي ياسر أحبّ إليهما منّي، لم ألقهما قطّ مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. فلما قدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قباء قرية بني عمرو بن عوف غدا إليه أبي، حييّ بن أخطب و عمّي أبو ياسر بن أخطب مغلّسين، فو اللّه ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا بأمر أبي كبشة [كالّين كسلانين] ساقطين يمشيان الهوينى فهششت إليهما كما كنت أصنع، فواللّه ما نظر إليّ واحد منهما، فسمعت عمّي أبا ياسر و هو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم. قال: أتعرفه بنعته و صفته؟ قال: نعم و اللّه. قال:
فما في نفسك منه؟ قال: عداوته و اللّه ما بقيت».
و ذكر ابن عقبة عن الزّهري قال: «إن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- المدينة ذهب إليه فسمع منه و حادثه ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم اطيعوني فإن اللّه تعالى قد جاءكم بالذي تنتظرونه فاتّبعوه و لا تخالفوه. فانطلق أخوه حييّ بن أخطب، و هو يومئذ سيّد