سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٩ - الفائدة الثانية
أهل العلم في أن هذه الأسماء إضافتها مقلوبة و كذلك الإضافة في كلام العجم يقولون في «غلام زيد». زيد غلام فعلى هذا يكون «إيل» عبارة عن العبد و يكون أول الاسم عبارة عن اسم من أسماء اللّه تعالى.
قلت: روى ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، و ابن المنذر عن عكرمة، و أبو الشيخ عن علي بن الحسين قالوا: اسم جبريل عبد اللّه و ميكائيل عبيد اللّه، و كل شيء راجع إلى «إيل» فهو معبّد للّه عزّ و جلّ، زاد علي بن الحسين و إسرافيل عبد الرحمن، زاد عكرمة:
«و الإيل»: اللّه.
قال الماوردي: «و لا يعلم لابن عباس مخالف في ذلك»، و قال السهيلي: «إنه قول الأكثر». و قال الشيخ شهاب الدين الحلبي (رحمه اللّه تعالى) في شرح الشاطبية: «اختلف الناس في هذا الاسم هل هو مشتق أم لا؟ و الذي عليه الجمهور أنه لا اشتقاق» إذ الأسماء الأعجمية لا اشتقاق لها. و قال آخرون: بل هو مشتق من جبروت اللّه تعالى.
و كذلك اختلفوا فيه هل هو اسم بسيط لا تركيب فيه أو هو مركّب؟ فإن جبر» معناه «عبد»، «و إيل» هو اسم الباري تعالى و قد قيل ذلك في إسرافيل، ثم اختلفوا في تركيبه، هل هو مركّب تركيب إضافة أو تركيب مزج؟ فذهب بعضهم إلى الأول، و ردّ بأنه كان ينبغي أن يعرب إعراب المتضايفين، فيجري الأول منهما مجرى الإعراب، و يجرى الثاني و ينوّن، إذ لا مانع له من الصّرف، كما انصرف «إلّ» في قول من جعله اسما للّه تعالى من قوله عزّ و جلّ: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً [التوبة: ١٠] و هذا كما تقول: جاءني عبد اللّه، و رأيت عبد اللّه و مررت بعبد اللّه. و ذهب آخرون كأبي العباس المهدوي إلى أنه مركّب تركيب مزج كبعلبك و حضر موت، و هذا قريب إلا أن بعضهم ردّ عليه بأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلا، و أنت كما رأيتهم يكسرون الراء في بعض اللغات. و ردّ عليه بعضهم أيضا بأنه لو كان مركّبا تركيب مزج لجاز أن يعرب إعراب المتضايفين أو يبنى على الفتح كأحد عشر، فإنه مركب تركيب مزج يجوز فيه هذه الأوجه، فكونه لم يسمع فيه البناء و لا جريانه جريان المتضايفين دليل على عدم تركيبه تركيب مزج. و هذا الردّ مردود لأنه جاء على أحد الجائزين، و اتفق أنه لم يستعمل إلا كذلك. انتهى.
قال السهيلي: «و اتفق في اسم جبريل (عليه السلام) أنه موافق من جهة العربية لمعناه و إن كان أعجميا، فإن الجبر هو إصلاح ما و هي، و جبريل موكّل بالوحي، و في الوحي إصلاح ما فسد و جبر ما و هي من الدين، و لم يكن هذا الاسم معروفا بمكة و لا بأرض العرب، فلما أخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) خديجة به انطلقت تسأل من عنده علم الكتاب كعدّاس و نسطور الراهب و ورقة.