سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٩ - الباب الثالث في اختلاف العلماء في رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لربه تبارك و تعالى ليلة المعراج
هل رآه بعينه أو بقلبه؟ و القولان رويا عن الإمام أحمد. و قال الإمام النووي: الراجح عند أكثر العلماء أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رأى ربّه بعيني رأسه ليلة المعراج، و بسط الكلام على ذلك و استدل بأشياء نوزع في بعضها كما سيأتي بيانه في ذكر أدلة المذهب الأول.
و ذهب جماعة إلى الوقف في هذه المسألة و لم يجزموا بنفي و لا إثبات لتعارض الأدلة، و رجّح ذلك الإمام أبو العباس القرطبي في المفهم، و عزاه لجماعة من المحققين، و قوّاه بأنه ليس في الباب دليل قاطع. و غالب ما استدلت به الطائفتان ظواهر متعارضة قابلة للتأويل. قال:
و ليست المسألة من التعظيمات فيكتفي فيها بالدلالة الظنّية، فإنما هي من المعتقدات فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي.
و قال السبكي (رحمه اللّه) في السيف المسلول: «ليس من شرطه أن يكون قاطعا متواترا بل متى كان حديثا صحيحا و لو ظاهرا و هو من رواية الآحاد، جاز أن يعتمد عليه في ذلك لأن ذلك من مسائل الاعتقاد التي يشترط فيها القطع، على أنا لسنا مكلّفين بذلك». انتهى.
و قال القاضي في الشفاء و غيره «لا مرية في الجواز، إذا ليس في الآيات: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣]، لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] نصّ في المنع للرؤية، بل هي مشيرة للجواز كما تقرّر ذلك. و أما وجوب وقوعها لنبينا (صلّى اللّه عليه و سلم)، و القول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضا و لا نصّ يعوّل عليه، إذ المعوّل عليه فيه على آيتي النّجم: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم: ١١] و ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى [النجم: ١٧]. و التنازع بين الأئمة فيهما مأثور، و الاحتمال لهما من حيث دلالتهما على الرؤية و عدمها ممكن، لعدم صراحتهما بها، لا أثر قاطع متواتر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بذلك. و حديث ابن عباس أنه رآه بعينه أو بفؤاده إنما نشأ عن اعتقاد لم يسنده إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى يعتبر فيجب العمل باعتقاد مضمّنه من رؤيته ربّه. و مثله حديث شريك عن أبي ذرّ في تفسير الآية بأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) رأى ربّه، و حديث معاذ: «رأيت ربّي في أحسن صورة» [١]، مضطرب الأسناد و المتن. و حديث أبي ذرّ مختلف من حديث اللفظ محتمل لأن يكون رآه أو لم يره، مشكل من حيث جعل ذاته نورا، فروي: «نور أنّى أراه» [٢]- بفتح أوله و تشديد النون- أي نورا لن أراه، أي لجري العادة بأن النور إذا غشى البصر حجبه في رؤيته لما وراءه، و روي:
«نورانيّ، أي بكسر النون الثانية و تشديد التحتية».
[١] أخرجه السيوطي في اللآلئ ١/ ١٥ و أخرجه من طرق بنحوه الخطيب في التاريخ ٨/ ١٥٢ و ابن سعد في الطبقات ٧/ ٣٠٤ و ابن الجوزي في العلل ١/ ١٦ و ابن أبي عاصم في السنة ١/ ٢٠٤.
[٢] أخرجه مسلم (١٦١) و الترمذي (٣٢٨٢) و أحمد في المسند ٥/ ١٥٧ و أبو نعيم في الحلية ٩/ ٦١ و سيأتي بتمامه في نص المصنف (رحمه اللّه).