سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤١ - الباب الثاني في بناء مسجده الأعظم و بعض ما وقع في ذلك من الآيات
و ربما خطر ببال العوام أن حبسها عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم في الآخرة، مع اقتراف الأوزار، فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال. و النار مطهّرة لأدناس الذنوب و قد كان [ذلك] لاستيلاء الروافض حينئذ [على المسجد النبوي و المدينة] و كان القاضي و الخطيب منهم، و أساءوا الأدب كما بسط ذلك ابن جبير في رحلته، و لذا وجد عقب الحريق على جدران المسجد:
لم يحترق حرم النّبيّ لريبة* * * يخشى عليه و ما به من عار
لكنّها أيدي الرّوافض لامست* * * تلك الرّسوم فطهّرت بالنّار
و وجد أيضا:
قل للرّوافض بالمدينة ما بكم* * * لقيادكم للذّمّ كلّ سفيه
ما أصبح الحرم الشّريف محرّقا* * * إلّا لسبّكم الصّحابة فيه
و لم يسلم من الحريق سوى القبّة التي أحدثها الناصر لدين اللّه لحفظ ذخائر الحرم.
قال المؤرخون: و بقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النّخل إذا هبّت الرياح تتمايل، و ذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت و وقع السّقف الذي كان على أعلى الحجرة الشريفة على سقف بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة و على القبور المقدسة.
و في صبيحة الجمعة عزلوا موضعا للصلاة و كتبوا بذلك للخليفة المستعصم باللّه [أبي أحمد عبد اللّه] بن المستنصر باللّه [في شهر رمضان]، فوصلت الآلات صحبة الصّنّاع مع ركب العراق في الموسم و ابتدئ بالعمارة أول سنة خمس و خمسين و ستمائة، و قصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة، فلم يجسروا على ذلك. و اتفق رأي [صاحب المدينة يومئذ و هو] الأمير منيف بن شيحه [بن هاشم بن قاسم بن مهنئ الحسيني] مع رأي أكابر الحرم الشريف أن يطالع الإمام المستعصم باللّه بذلك فيفعل ما يصل إليه أمره. فأرسلوا بذلك فلم يصل جوابه لاشتغاله و أهل دولته بإزعاج التتار لهم و استيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة. فتركوا الرّدم على حاله و لم ينزل أحد هناك. زاد المجد اللغوي: و لم يجسر أحد على التّعرّض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزلّ الأقدام و لا يتأتى من كل أحد بادئ بدئه الدخول فيه و الإقدام. و وصلت الآلات من صاحب اليمن [يومئذ و هو الملك] المظفّر شمس الدين يوسف بن المنصور عمر بن رسول. ثم عزل صاحب مصر، و تولى مكانه مملوك أبيه المظفر سيف الدين قطز المعزّي و اسمه الحقيقي محمود بن ممدود، و أمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، و أبوه ابن عمّه، أسر عند غلبة التتار، فبيع بدمشق، ثم [انتقل بالبيع إلى] مصر،