سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩١ - الباب الثامن في سياق القصة
أكلتها أنعم منها و إني لأرجو أن تأكل منها.
و بينا هو يسير بنهر على حافيته الدرّ المجوّف، و إذا طينة مسك أذفر فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هو الكوثر.
ثم عرضت عليه النار فإذا فيها غضب اللّه و زجره و نقمته، و لو طرح فيها الحجارة و الحديد لأكلتها، فإذا بقوم يأكلون الجيف، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس. و رأى رجلا أحمر أزرق فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة.
و رأى مالك خازن النار، فإذا رجل عابس يعرف الغضب في وجهه، فبدأ النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بالسلام، ثم أغلقت دونه، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، فغشيها من أنوار الخلائق و من أنوار الملائكة أمثال الغربان حين يقضّ على الشجرة و ينزل على كل ورقة ملك من الملائكة فغشيها سحابة من كل لون.
و في حديث أن جبريل قال له: إن ربّك يسبّح. قال: و ما يقول؟ قال: يقول: «سبوح قدوس، ربّ الملائكة و الروح، سبقت رحمتي غضبي». فتأخر جبريل، ثم عرج به حتى ظهر لمستوى سمع فيه صريف [١] الأقلام. و رأى رجلا مغبّبا في نور العرش، فقال: من هذا؟ ملك، قيل: لا، قال: نبي، قيل: لا، قال: من هو؟ قيل: هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطب من ذكر اللّه، و قلبه معلّق بالمساجد، و لم ينتسب لوالديه قط، فرأى ربه سبحانه و تعالى، فخرّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ساجدا، و كلّمه ربه تعالى عند ذلك. فقال له: يا محمد. قال: لبّيك يا رب. قال: سل: فقال:
إنك اتخذت إبراهيم خليلا، و أعطيته ملكا عظيما و كلّمت موسى تكليما، و أعطيت داود ملكا عظيما و سخّرت له الجنّ و الإنس و الشياطين و سخرّت له الرياح و أعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. و علّمت عيسى التوراة و الإنجيل، و جعلته يبرئ الأكمه و الأبرص و يحيي الموتى بإذنك، و أعذته و أمّه من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان عليهما سبيل.
فقال اللّه سبحانه و تعالى: قد اتخذتك حبيبا. قال الراوي: و هو مكتوب في التوراة:
حبيب اللّه. و أرسلتك للناس كافة بشيرا و نذيرا، و شرحت لك صدرك، و وضعت عنك وزرك، و رفعت لك ذكرك، لا أذكر إلا و ذكرت معي و جعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس و جعلت أمتك أمّة وسطا، و جعلت أمتك هم الأولون و الآخرون، و جعلت أمتك لا يجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي و رسولي، و جعلت من أمتك أقواما قلوبهم أنا جيلهم، و جعلتك أوّل النبيين خلقا و آخرهم بعثا، و أوّلهم يقضى له، و أعطيتك سبعا من المثاني لم أعطها نبيا قبلك، و أعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبيا قبلك، و أعطيتك الكوثر،
[١] أسمع صريف الأقلام أي صوت جريانها بما تكتبه من أقضية اللّه تعالى و وحيه، و ما ينتسخونه من اللوح المحفوظ. انظر النهاية لابن الأثير ٣/ ٢٥.