سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩ - الخامس في الكلام على «أسرى»
ديار الّتي كانت و نحن على منى* * * تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب [١]
أي تحلنا فالباء هنا للتعدية، و لم تقتض المشاركة لأن الديار لم تكن حراما فتصير حلالا، و لكون الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما، فلا يقال أذهبت بزيد.
و جزم ابن دحية- بفتح الدال و كسرها- و ابن المنير، بما قاله المبرّد فقالا: «يؤخذ من قوله: «أسرى بعبده» ما لا يؤخذ إن قيل: بعث إلى عبده، لأن الباء تفيد المصاحبة، أي صحبه في مسراه بالإلطاف و العناية و الإسعاف». زاد ابن دحية: «و يشهد لذلك
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «اللهم أنت الصاحب في السفر».
و يؤخذ من ذلك أن من قال: للّه علىّ أن أحجّ بفلان، يلزمه الحجّ معه، بخلاف ما لو قال: لله عليّ أن أحجّ فلانا، فإنه يلزمه أن يجهّزه للحج من ماله. و الفرق بين الصورتين ما تعطيه الباء من المصاحبة». انتهى. و تقدم ردّ ذلك.
الحافظ: «أسرى مأخوذ من السّرى و هو سير الليل، فقول العرب أسرى و سرى إذا سار ليلا، هذا قول الأكثر».
و قال الحوفي: أسرى سار ليلا، و سرى سار نهارا».
قال الحافظ في موضع آخر: «و قيل أسرى سار من أول الليل، و سرى سار من آخره» و هذا أقرب. و لم يختلف القراء في أسرى، بخلاف قوله تعالى في قصة لوط: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ [هود ٨١]. فقرئت بالوصل و القطع، و فيه تعقيب على من قال من أهل اللغة: إن أسرى و سرى بمعنى.
قال السهيلي: «السّرى من سريت إذا سرت ليلا، يعني فهو لازم. و الإسراء يتعدى في المعنى، لكن حذف مفعوله حتى ظنّ من ظنّ أنهما بمعنى واحد، و إنما معنى «أسرى بعبده»، جعل البراق يسري به، كما تقول: أمضيت كذا أي جعلته يمضي، لكن حذف المفعول لقوة الدلالة عليه، و الاستغناء عن ذكره، إذ المقصود بالذكر المصطفي لا الدابة التي سارت به.
و أما قصة لوط فالمعنى: سر بهم على ما يتحملون عليه من دابة و نحوها، هذا معنى قراءة القطع. و معنى الوصل: سر بهم ليلا، و لم يأت مثل ذلك في الإسراء، إلا أنه لا يجوز أن يقال:
«سرى بعبده» بوجه من الوجوه».
قال الحافظ و النسفي: «الذي جزم به هو من هذه الحيثية التي قصر فيها الإشارة إلى أنه سار ليلا على البراق. و الآن لو قال قائل: سرت بزيد بمعنى صاحبته لكان المعنى صحيحا.
[١] البيت لقيس بن الخطيم انظر اللّسان ١/ ٩٧٢.