سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١ - السادس في الكلام على العبد
الأستاذ أبو على الدّقّاق [١] (رحمه اللّه تعالى): «ليس للمؤمن صفة أتمّ و لا أشرف من العبودية، و لهذا أطلقها اللّه تعالى على نبيه في أشرف المواطن، كقوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء ١]، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [الكهف ١]، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم ١٠]، تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [الفرقان ١].
الشيخ عبد الباسط البلقيني (رحمه اللّه): «و من هنا يؤخذ الجواب عن وصفه (صلّى اللّه عليه و سلم) بذلك و وصف يحيى (عليه السلام) بالسيادة في قوله تعالى: وَ سَيِّداً، وَ حَصُوراً [آل عمران ٣٩].
الأستاذ أبو القاسم القشيري [٢] (رحمه اللّه): «في معناه أنشدوا:
يا قوم قلبي عند زهراء* * * يعرفه السّامع و الرّائي
لا تدعني إلّا بيا عبدها* * * فإنّه أشرف أسمائي»
العوفي (رحمه اللّه): «و السبب في ذلك أن الإلهية و السيادة و الربوبية إنما هي في الحقيقة للّه عز و جلّ لا غير. و العبودية في الحقيقة لمن دونه. فإذا كان في مقام العبودية فهو في رتبته الحقيقية، و الرتبة الحقيقة أشرف المراتب إذ ليس بعد الحقيقة إلا المجاز، و لا بعد الحق إلا الضلال».
البرهان النسفي (رحمه اللّه): «قيل لما وصل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الدرجات العالية و المراتب الرفيعة في المعراج، أوحى اللّه تعالى إليه: يا محمد أشرفك؟. قال: يا ربّ تنسبني إلى نفسك بالعبودية، فأنزل اللّه تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ الآية.
و أقوال القوم في العبد و العبودية كثيرة، و الألفاظ مختلفة معانيها، و كل أحد يتكلم
[١] الحسين بن على بن محمد، الأستاذ أبو الدقاق النيسابوري، الزاهد العارف، شيخ الصوفية. تفقه بمرو عند الخصري، و أعاد عند القفال و برع في الفقه، ثم سلك طريق الصوفية، و صحب الأستاذ أبا القاسم النصرآباذي، و أخذ الطريقة عنه، و زاد عليه حالا و مقالا، و اشتهر ذكره في الآفاق، و انتفع به الخلق، و منهم أبو القاسم القشيري صاحب الرسالة، و حكى عنه أحوالا و كرامات. مات في ذي الحجة سنة ست و أربعمائة، و قيل: سنة خمس. انظر طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٧٨.
[٢] عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد، الأستاذ أبو القاسم القشيري النيسابوري. أحد العلماء بالشريعة و الحقيقة. أخذ الطريقة عن الشيخ أبي على الدقاق و أبي عبد الرحمن السلمي، و درس الفقه على أبي بكر الطوسي حتى فرغ من التعليق و قرأ الكلام على أبي بكر بن فورك و أبي إسحاق الاسفراييني و برع في ذلك، و حج مع البيهقي و أبي محمد الجويني. ذكره الخطيب البغدادي و مات قبله، و قال: كتبنا عنه و كان ثقة، و كان يقص، و كان حسن الموعظة، مليح الإشارة، و كان يعرف الأصول على مذهب الأشعري و الفروع على مذهب الشافعي. و قال ابن السمعاني: لم ير أبو القاسم مثل نفسه في كماله و براعته، جمع بين الشريعة و الحقيقة. و قال ابن خلكان: صنف أبو القاسم التفسير الكبير، و هو من أجود التفاسير، و صنف الرسالة في رجال الطريقة، و ذكر له الذهبي مصنفات أخر. ولد في ربيع الأول سنة ست و سبعين و ثلاثمائة، و توفي في ربيع الآخر سنة خمس و ستين و أربعمائة عن تسع و ثمانين سنة، و دفن إلى جانب أستاذه أبي علي بالمدرسة. ابن قاضي شهبة ١١/ ٢٥٤.