سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٩ - التنبيه الموفي مائة
و فيه دليل للصوفية حيث يقولون: «إن الحال حامل «لا محمول» لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لما أن ورد عليه حال الإشفاق على أمته بادر إلى طلب التخفيف عنهم و لم ينظر لغير ذلك، ثم لما ورد عليه حال الحياء من اللّه تعالى لم يلتفت لأمته إذا ذاك و لا طلب شيئا».
التنبيه التاسع و التسعون:
في هذا الحديث دليل أن قدر اللّه تعالى على قسمين، كما قدمنا. فالقدر الذي قدّره و قدّر ألّا ينفذ بسبب واسطة أو دعاء هو فرضه هنا للخمسين صلاة لأنه تعالى لما أن أمر بالخمسين أوّلا و سبقت إرادته ألا ينفذ ذلك جعل بحكمة موسى هناك سببا لرفع ذلك. و القدر الذي قدّر إنفاذه و لا يردّه رادّ هو فرضه للخمس صلوات لأنه تعالى لما أن أمر بها و سبقت إرادته بإمضائها لم ينفع كلام موسى (عليه السلام) إذا ذاك لأنه من القدر المحتوم.
التنبيه الموفي مائة:
قال ابن دحية: «فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ [ق: ٢٩]؟ فإن كان المراد لا يبدّل الخبر فكيف يطلق الحديث، لأن السياق في الأحكام فلهذا نسخ الخمسين إلى خمس و تبديل النّسخ لا يبقي، فإن كان المراد لا يبدّل الحكم فقد تقرّر أن النّسخ في الإحكام جائز و قد وقع في هذا الحديث إلى خمس. فالجواب أنه تعالى إذا أخبر عن الحكم أنه مؤبّد استحال التبديل و النّسخ حينئذ لأجل العلم، و قد أخبر اللّه تعالى أنه الفريضة أي أبدّها فلا يبدّل الخبر و لا يتوقّع النّسخ بعد ذلك و اللّه تعالى أعلم».
و يكون المراد أنه تعالى وعد هذه الأمة على ألسنة الملائكة أو في صحفها أن لهم أجر خمسين صلاة في كل يوم و ليلة، فلما نسخها إلى خمس حصل للعدد نقص، و إن الأجرد المراد لم ينقص لأن الحسنة بعشر أمثالها، و لهذا قال تعالى: هنّ خمس و هنّ خمسون أي هنّ خمسٌ عددا و خمسون اعتدادا، ذلك الفضل من اللّه، و يكون ذلك كقوله في الصيام: «من صام رمضان و أتبعه ستّا من شوّال فكأنما صام الدهر» [١]، بتأويل أن الحسنة بعشر أمثالها، فستة و ثلاثون في عشرة بثلاثمائة و ستين عدد أيام السّنة.
و اعتبرت الصلاة بما تحتاج إليه كل صلاة من وضوء و نحوه، فوجد لها ما يأتي على ساعتين و بعض الساعة غالبا، فعلم بذلك أن الخمسين لو استقّرت على أمة لاستوعبت اليوم و الليلة لما تحتاج إليه كل صلاة من طهارة و غيرها، و كانت الطهارة واجبة التجديد في أول الأمر، ثم نسخ الوجب إلى النّدب، فكأن المصليّ من هذه الأمة لهذه الخمس استوعب الدّهر صلاة و كأنه أيضا استوعب الدهر صياما.
[١] أخرجه مسلم ٢/ ٨٢٢ (٢٠٤- ١١٤٦).