سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٩ - الباب الرابع في هجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و ما وقع في ذلك من الآيات
لأبي بكر: «أخرج من عندك». فقال أبو بكر: لا عين عليك إنما هما ابنتاي، و في لفظ: أهلك.
قال: «إن اللّه قد أذن لي في الخروج و الهجرة». فقال أبو بكر: «الصحبة يا رسول اللّه». قال:
«نعم». قالت عائشة: «فو اللّه ما أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ».
قال أبو بكر: «يا رسول اللّه خذ إحدى راحلتيّ هاتين». فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «بالثّمن، لا أركب بعيرا ليس هو لي». قال: فهو لك. قال: «لا و لكن بالثمن الذي ابتعتها به». قال «أخذتها بكذا و كذا». قال «أخذتها بذلك». قال: هي لك. و عند البخاري في غزوة الرجيع أنها الجدعاء، و أفاد الواقدي أن الثمن ثمانمائة. و استأجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر رجلا من بني الدّيل و هو من بني عبد بن عديّ هاديا خرّيتا- و الخرّيت الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السّهمي و هو على دين كفّار قريش- و أسلم بعد ذلك- فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما و واعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث.
قالت عائشة: فجهّزنا هما أحثّ الجهاز و صنعنا لهما سفرة في جراب. و أفاد الواقدي أنه كان في السّفرة شاة مطبوخة. قالت عائشة: فشقّت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها- و في لفظ قطعت نطاقها قطعتين فأوكت بقطعة منه الجراب و شدّت فم القربة بالباقي فسمّيت ذات النطاق و في لفظ النّطاقين.
و عند البلاذري أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «إن لها نطاقين في الجنّة» [١]
فسميت ذات النطاقين.
قال ابن إسحاق: و أعلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليا بخروجه و أمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه و أمانته». قالت عائشة: «و لحق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بغار في جبل ثور». و في حديث عمر عند البيهقي أنهما خرجا ليلا. و ذكر ابن إسحاق و الواقدي أنهما خرجا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر.
و روى أبو نعيم عن عائشة بنت قدامة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل فأعمى اللّه عز و جل بصره عنّي و عن أبي بكر حتى مضينا».
قالت أسماء: «و خرج أبو بكر بماله خمسة آلاف درهم». قال البلاذري: «و كان مال أبي بكر يوم أسلم أربعين ألف درهم، فخرج إلى المدينة للهجرة و ماله خمسة آلاف أو أربعة، فبعث ابنه عبد اللّه فحملها إلى الغار».
قالت: «فدخل علينا جدّي أبو قحافة و قد ذهب بصره فقال: «و اللّه إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه». قالت: «قلت: كلّا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا». قالت: «فأخذت أحجارا فوضعتها في كوّة في البيت، كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده
[١] أخرجه البخاري ٦/ ١٥٠ (٢٩٧٩).