سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٨ - التنبيه الثامن و التسعون
يقولون: «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين» لأن إبراهيم (عليه السلام) لم يتكلم في هذا الشأن بسبب أن مقامه أعلى من الكلام، فلو تكلم لكان ذلك في حقه سيئة بالنسبة إلى مقامه الخاص، و موسى (عليه السلام) كان كلامه مما يتقرب به إلى مقامه الخاص، كل منهم له مقام خاص لا يتعدّاه».
التنبيه الخامس و التسعون:
قال ابن دحية: «في هذه المراجعة التي وقعت بين موسى و النبي (عليهما السلام) فوائد منها: تكرار الشفاعة في القصة الواحدة إلى أن يتم مقصود الشافع، و منها أن الأمر إذا انتهى إلى حدّ الإلحاح كان الأولى الترك، و منها تعظيم الأمر الذي لا يقدر عليه، و منها الرجوع إلى المشير الناصح، و منها أن الشافع لا يتوقّف على طلب المشفوع له في ذلك، و منها أن الشافع يقيم عذر المشفوع له عند المشفوع عنده في ذلك، و منها أنه لا يمتنع من الشفاعة و إن كان داخلا فيها».
التنبيه السادس و التسعون:
إنما امتنع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من طلب التخفيف في المرة العاشرة لما أمره موسى بذلك لأمرين:
أحدهما: أن الأمر إذا انتهى إلى حدّ الإلحاح كان الأولى التّرك.
ثانيهما: أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) تفرّس أن هذا العدد لا يحطّ عنه فاستحى أن يسأل في مظنّة الرّدّ، و وجه التّفرّس أن اللّه تعالى أدرج التخفيف خمسا خمسا من خمس إلى خمس.
فالقياس أنه إن خفّف بحذف الخمسة الأخيرة ارتفعت الصلاة بجملتها، و قد علم أنه لا بدّ من وظيفة، فلهذا ترك السؤال، و كشف الغيب أن العلم القديم تعلّق ببقاء هذه الخمس، و لهذا بقيت، فصدقت الفراسة، و أصابت الفكرة، و لهذا جاء في بعض الطرق أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لما امتنع من المراجعة في العاشرة نادى مناد: «أمضيت فريضتي و خفّفت عن عبادي».
التنبيه السابع و التسعون:
قال ابن دحية: «دلّت مراجعته (صلّى اللّه عليه و سلم) في طلب التخفيف تلك المرّات كلها، لأنه علم أن الأمر في كل مرّة لم يكن على سبيل الإلزام بخلاف المرّة الأخيرة، ففيها ما يشعر بذلك لقوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: ٢٩].
التنبيه الثامن و التسعون:
قال ابن أبي جمرة: «في امتناع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في المرّة العاشرة من طلب التخفيف دليل على أن اللّه سبحانه و تعالى إذا أراد إسعاد عبد جعل اختياره في مرضاة ربّه، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) جعل اختياره و إيثاره لما أراد الحقّ تبارك و تعالى إنفاذه و إمضاءه، و هو فرض الصلوات الخمس، و ذلك تكريم له (صلّى اللّه عليه و سلم) و ترفيع، لأنه لو رجع لطلب التخفيف فلم يخفّف كما خفّف أولا لكان اختياره مخالفا للمقدور. فلما أن اختار و أشعف في اختياره كان دليلا على ما استدللنا عليه و هو علوّ منزلته (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإنه ما دام يطلب التخفيف أسعف في مناه، ففي كل حال من طلب و من عدم طلب كان اختياره موافقا للمقدور».