سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٤ - تنبيهات
عيينة: «فكلّم عمّهما، أي الذي كانا في حجره، أن يبتاعه منهما»، فقال: «ما تصنع به»؟ فلم يجد بدّا من أن يصدقهما، فأخبرهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أراده، فقالا: «نحن نعطيه»، فأعطياه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فبناه. أخرجه الجندي.
و ذكر ابن زبالة، و يحيى، أن أبا أيوب قال: يا رسول اللّه أنا أرضيهما. و ذكر ابن عقبة أن أسعد عوّضهما عنه نخلا، قال: و قيل: ابتاعه منهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). و طريق الجمع بين ذلك كما أشار إليه الحافظ أنهم لما قالوا: «لا نطلب ثمنه إلا من اللّه» سأل عمّن يختصّ بملكه منهم، فعيّنوا الغلامين، فابتاعه منهما أو من وليّهما إن كانا غير بالغين، و حينئذ فيحتمل أن الذين قالوا: «لا نطلب ثمنه إلا من اللّه تحمّلوا عنه للغلامين بالثمن. فقد نقل ابن عقبة أن أسعد بن زرارة عوّض الغلامين عنه نخلا له في بياضة. و تقدّم أن أبا أيوب قال: أنا أرضيهما، فأرضاهما، و كذلك معاذ بن عفراء، فيكون بعد الشّراء. و يحتمل أن كلّا من أسعد، و أبي أيوب و ابن عفراء أرضى اليتيمين بشيء فنسب ذلك لكل منهم.
و قد روي أن اليتيمين امتنعا من قبول عوض، فيحتمل ذلك على بدء الأمر، و لكن قال الواقدي: إنه (صلّى اللّه عليه و سلم) اشتراه من بني عفراء بعشرة دنانير ذهبا دفعها أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، فلعله رغب في الخير، فدفع العشرة مع أولئك، أو أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أخذ أولا بعض المربد في بنائه الأول سنة قدومه، ثم أخذ بعضا آخر لما سبق أنه بناه مرتين و زاد فيه فكان الثمن من مال أبي بكر في إحداهما و من الآخرين في الأخرى.
الرابع: ذكر السيد أن قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية». كان في البناء الثاني، لأن البيهقي روى في الدلائل عن أبي عبد الرحمن السّلمي أنه سمع عبد اللّه بن عمرو بن العاص يقول لأبيه عمرو: «قد قتلنا هذا الرجل، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيه ما قال».
قال: «أي رجل»؟ قال: «عمّار بن ياسر، أمّا تذكر يوم بنى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المسجد، و كنا نحمل لبنة لبنة، و عمّار يحمل لبنتين لبنتين،؟ فمرّ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) [فقال «تحمل لبنتين لبنتين و أنت ترحض؟ أما إنك ستقتلك الفئة الباغية، و أنت من أهل الجنّة». فدخل عمرو بن العاص على معاوية: فقال: «قتلنا هذا الرجل، و قد قال فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما قال» فقال معاوية:
«اسكت فواللّه ما تزال تدحض [١] في بولك، أ نحن قتلناه؟ إنما قتله عليّ و أصحابه جاءوا به حتى ألقوه بيننا. قال السمهودي]: «و هو يقتضي أن هذا القول لعمّار كان في البناء الثاني للمسجد، لأن إسلام عمرو بن العاص كان في السنة الخامسة للهجرة».
[١] تدحض: أي تزلق. و يروى بالصاد: أي تبحث فيها برجلك. انظر النهاية ٢/ ١٠٥.