سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥١ - الباب الرابع في بدء الأذان و بعض ما وقع فيه من الآيات
الباب الرابع في بدء الأذان و بعض ما وقع فيه من الآيات
روى الشيخان و الترمذي و النّسائي عن ابن عمر، و ابن إسحاق، و إسحاق بن راهويه، و أبو داود بسند صحيح صحّحه النووي عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، عن أبيه، و أبو داود بسند صحيح عن ابن عمر عن أنس بن مالك عن عمومة له من الأنصار رضي اللّه عنهم، و إسحاق بن راهويه عن الشّعبي مرسلا بسند حسن، و عبد الرّزّاق و أبو داود عن عبيد ابن عمير أحد كبار التابعين، و ابن أبي شيبة، و أبو داود، و ابن خزيمة، و أبو الشيخ، و الدار قطني، و البيهقي، و الطحاوي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «حدّثنا أصحابنا- و لفظ ابن أبي شيبة و ابن خزيمة و الطحاوي و البيهقي: حدثنا، أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)- حين قدم المدينة إنما كان يجمع للصلاة حين مواقيتها بغير دعوة، فلما كثر الناس اهتمّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كيف يجمع الناس للصلاة؟ فاستشار الناس، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة إذا رأوها أعلم بعضهم بعضا، و ذكر له القنع [١] يعني شبّور [٢] اليهود، و في لفظ: البوق، و في لفظ: القرن الذي يدعون به لصلاتهم، فلم يعجبه ذلك و قال: «هو من أمر اليهود»، فذكر له الناقوس فقال: «هو من أمر النصارى»، فقالوا: لو رفعنا نارا، فقال: «ذلك للمجوس» [٣].
و في حديث عمر عند الشيخين و غيرهما: فقال عمر: «أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة»؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «يا بلال قم فناد بالصلاة».
فانصرف عبد اللّه بن زيد، و هو مهتمّ لهمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأري الأذان في منامه. قال: طاف بي و أنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت له: يا عبد اللّه أ تبيع هذا الناقوس؟ قال: و ما تصنع به؟
قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أ فلا أدلّك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى. فقال:
[١] قال ابن الأثير في النهاية في حديث الأذان «أنه اهتم للصلاة، كيف يجمع لها الناس، فذكر له القنع فلم يعجبه ذلك» فسر في الحديث أنه الشبور، و هو البوق هذه اللفظة قد اختلف في ضبطها، فرويت بالباء و التاء، و الثاء و النون، و أشهرها و أكثرها النون. قال الخطابي: سألت عنه غير واحد من أهل اللغة فلم يثبتوه لي على شيء واحد، فإن كانت الرواية بالنون صحيحة فلا أراه سمّي إلا لإقناع الصوت به، و هو رفعه. يقال: أقنع الرجل صوته و رأسه إذا رفعه. و من يريد أن ينفخ في البوق يرفع رأسه و صوته .. قال الزمخشري: «أو لأن أطرافه أقنعت إلى داخله: أي عطفت» و قال الخطابي:
و أما «القبع» بالباء المفتوحة فلا أحسبه سمي به إلا لأنه يقبع فم صاحبه: أي يستره، أو من قبعت الجوالق و الجراب: إذا ثنيت أطرافه إلى داخل. قال الهروي: و حكاه بعض أهل العلم عن أبي عمر الزاهد: «الفتح» بالثاء قال: و هو البوق فعرضته على الأزهري فقال: هذا باطل. و قال الخطابي: سمعت أبا عمر الزاهد يقوله بالثاء المثلثة، و لم أسمعه من غيره. و يجوز أن يكون من: فتح في الأرض فتوحا إذا ذهب، فسمي به لذهاب الصوت منه. قال الخطابي: و قد روى «القتع» بتاء بنقطتين من فوق، و هو دود يكون في الخشب الواحدة: قتعة. قال: مداد هذا الحرف على هيثم، و كان كثير اللحن و التحريف، على جلاله محلة في الحديث. النهاية ٤/ ١١٥، ١١٦.
[٢] الشّبّور: هو البوق. و قال ابن الأثير: اللفظة عبدانيّة. انظر النهاية ٢/ ٤٤٠.
[٣] ذكره المتقي الهندي في الكنز (٢٣١٥٣).