سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣٦ - الباب الثاني في بناء مسجده الأعظم و بعض ما وقع في ذلك من الآيات
السّقف.
و عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مع الصحابة في بناء المسجد، بنفسه الكريمة، كما في الصحيح أنه طفق ينقل معهم اللّبن ترغيبا لهم في العمل» و يقول:
اللّهمّ إنّ الأجر أجر الآخرة* * * فارحم الأنصار و المهاجرة [١]
و يذكر أن هذا البيت لعبد اللّه بن رواحة، و عن الزهري أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يقول:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فارحم المهاجرين و الأنصار. و كان لا يقيم الشّعر.
و روى محمد بن الحسن المخزومي عن أم سلمة رضي اللّه عنها أنها قالت: «بنى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مسجده فقرّب اللّبن و ما يحتاجون إليه، فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فوضع رداءه، فلما رأى ذلك المهاجرون الأولون و الأنصار ألقوا أرديتهم و أكسيتهم و جعلوا يرتجزون و يعملون و يقولون:
لئن قعدنا و النّبيّ يعمل* * * ذاك إذا للعمل المضلّل [٢]
و روى البيهقي عن الحسن قال: لما بني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المسجد أعانه أصحابه و هو معهم يتناول اللّبن حتى اغبرّ صدره. و كان عثمان بن مظعون رجلا متنطّعا و كان يحمل اللّبنة فيجا في بها ثوبه، فإذا وضعها نفض كمّه و نظر إلى ثوبه، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه فأنشد يقول:
لا يستوي من يعمر المساجدا* * * يدأب فيها قائما و قاعدا
و من يرى عن الغبار حائدا
فسمعها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها و هو لا يدري من يعني بها.
فمرّ بعثمان فقال:
يا بن سميّة، ما أعرفني بمن تعرّض، و معه جريدة، فقال: لتكفّنّ أو لأعترضنّ بها وجهك.
فسمعه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-، فغضب ثم قال: «إن عمّار بن ياسر جلدة ما بين عينيّ و أنفي فإذا بلغ ذلك من المرء فقد أبلغ». و وضع يده بين عينيه. فكفّ الناس عن عمّار، ثم قالوا لعمّار: إن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قد غضب فيك، و نخاف أن ينزل فينا قرآن. فقال: أنا أرضيه كما غضب. فقال:
يا رسول اللّه ما لي و لأصحابك؟ قال: «ما لك و لهم»؟ قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة لبنة و يحملون عليّ لبنتين لبنتين. فأخذ بيده و طاف به في المسجد، و جعل يمسح وفرته بيديه من التراب و يقول: «يا بن سميّة، ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة و يدعونك إلى النار»، و يقول عمّار: أعوذ باللّه من الفتن.
[١] انظر البداية و النهاية ٣/ ٢١٥.
[٢] انظر البداية و النهاية ٣/ ٢١٦.