سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣٤ - تنبيهات
و قال الجوهري: و كانت العرب تسمي يوم الاثنين «أهون» في أسمائهم القديمة. فهذا يشعر بأن لها أسماء و هي هذه المتعارفة إلى آخرها الآن. و قيل: إن أول من سمّى العروبة «الجمعة» كعب بن لؤيّ، فيحتاج من قال إنهم غيّروها إلى الجمعة، فأبقوها على تسمية العروبة إلى نقل خاص.
الثالث: تقدّم أن صلاة الجمعة صلّتها الصحابة بالمدينة قبل قدوم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة، فقيل ذلك بإذن من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لما رواه الدار قطني عن ابن عباس، قال: أذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالجمعة قبل أن يهاجر، و لم يستطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يجمع بمكة و لا [يبدي] لهم،
فكتب إلى مصعب بن عمير رضي اللّه عنه: «أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم و أبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقرّبوا إلى اللّه تعالى بركعتين».
قال: فأوّل من جمّع مصعب بن عمير حتى قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة، فجمّع عند الزوال من الظهر، و أظهر ذلك. و في سنده أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، و هو متهم بالوضع. قال في الزهر: «و المعروف في هذا المتن الإرسال، رويناه في كتاب الأوائل لأبي عروبة الحرّاني» قال: «حدّثنا هاشم بن القاسم حدثنا ابن وهب حدثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كتب إلى مصعب به». و قيل باجتهاد الصحابة، روى عبد الرّزّاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمّع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجمّعون فيه كل سبعة أيام، و للنصارى مثل ذلك فهلمّوا فلنجعل يوما تجمّع فيه فنذكر اللّه و نصلي و نشكر. فجعلوه يوم العروبة، و اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلّى بهم يومئذ، و أنزل اللّه تعالى بعد ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة ٩] قال الحافظ: و هذا و إن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن، رواه أبو داود و ابن ماجة، و صحّحه ابن خزيمة و غير واحد من حديث كعب بن مالك قال: «كان أول من صلّى بنا الجمعة قبل مقدم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة أسعد بن زرارة»، الحديث و قد تقدّم، فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة باجتهاد، و لا يمنع ذلك أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) علمه بالوحي و هو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها كما في حديث ابن عباس و المرسل بعده، و لذلك جمّع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق و غيره، و على هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بخبر نبيّ البيان و التوفيق. و قيل: الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه، و الإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، و كان اللّه تعالى أكمل فيه الموجودات و أوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر اللّه على ذلك بالعبادة فيه، و لهذا تتمة تأتي في الخصائص إن شاء اللّه تعالى.